الفكرة الأساسية التي تُبنى عليها الأديان هي الوحي، فلولا الوحيُ لسقط الدين، إذ به يتم إثباتُ "التواصل" بين الإله والبشر عبر فرد منهم يختاره الإله. والتسليم بمفهوم الوحي بالمعنى الديني ينطوي على إشكالات معرفية، منها تحديدُ ماهية الوحي، وهذا مبني على أن التصورَ شرطُ التصديق، فلا يمكن "التصديقُ" بالمعارفِ الدينية دون "تصوّرٍ" للأساس التي تُبنى عليه، أو أدنى تصورٍ لماهية الموضوع، فلا يصح التصديقُ بالأحكام المعرفية من منطلق الإيمان، أو بالاستناد على فكرة "ثبتَ صدقُ المُدّعي فلا يمكن أن يكذب"، والوحي من هذه الأحكام الدينية التي يجب تصوّرُها تصوراً كاملاً حتى يصحَّ التصديقُ بها، ولا يسوغ في هذه الحالة بناءُ تصوُّرٍ ناقص لمفهوم الوحي، إذ عليه يستندُ الدين، وإليه المرجعُ في بناء المعرفة الدينية.
والقول إنّ الوحيَ هو إرسالُ ملاكٍ لتبليغ رسالة الإله إلى البشر؛ هو من باب: لولا مشيبي ما جفا، لولا جفاهُ لم أشِبْ، فمفهوم الوحي ليس معرفةً مشترَكة بين البشر، ولا هو من المعارف البدهية، فلم نعرفْ مفهومَ الوحي إلا من خلال الدين. ولمّا كانت المعرفةُ الدينية -وخصوصاً التي يُبنى عليها الدين- معرفةً لا تقبل السؤال أو التشكيك، أو بعبارة أخرى معرفة يجب الإيمان بها حتى يتمَّ الإيمانُ بالدين؛ كان لِزاماً على المؤمن أن يقبلَ فكرة الوحيَ عبر "الإيمان" دون سؤال نقدي، فالتشكيك في الوحي -عند المؤمن- هو تشكيكٌ في أصل الدين. فحاصِلُ الإشكال أنّ العلمَ بالوحي لم يحصل إلا عن طريق الإيمان بالدين، والدينُ لا يثبت إلا عبرَ الوحي، وفي هذا دور صريح.
ثم إن العلمَ بالوحي لم يتمَّ إلا عبرَ دعوى النبي أنه أوحي إليه، فينبني على هذا أن هذه المعرفةَ (الوحي) معرفةٌ صادقةٌ يجب القبولُ بها لأنها جاءت من نبي، إلا أن الإشكالَ هنا أن النبيَّ قبل دعوى الوحي لم يكن نبياً، وعند دعواه النبوةَ والوحيَ لم يكن قد ثبَتَ كونُه نبيّاً، ولهذا فالقولُ إن النبيَّ صادقٌ في دعواه الوحي لأن النبي لا يكذب؛ قولٌ ليس في محله، إذ لم يَثبتْ أنه نبي بعد حتى يكونَ قولُه الصدقَ واجباً.
ولا يصح الادّعاءُ أن الوحيَ هو من عند الله، أي لا يمكن تضمينُ فكرةِ الإله في مفهوم الوحي، ففي هذا مصادرة على المطلوب، لأن إثباتَ فكرةِ الوحي مبنيّ أصلاً على إثبات كائن مُفارق يتواصل مع البشر (إله)، فلا تستقيم فكرة الوحي إلا بعد إثبات ضرورةِ وجودِ هذا الكائن المفارق إثباتاً عقلياً صرفاً، ثم إثباتِ أنه متصفٌ بصفات، ثم إثباتِ أن قادرٌ على التواصل مع البشر، أو بلغة أدق: إثبات أن التواصلَ مع البشر هو من الممكناتِ التي تتعلقُ بها القدرة الألهية، ثم إثبات أنه تواصلَ بطريقة ما، ولا يمكن إثباتُ أنه تواصل مع البشر بدعوى فرد أن: الإله تواصل معي عبرَ الوحي، فهذا يعود بنا إلى المربع الأول في تحديد مفهوم الوحي، فقد يكون يكون المدّعي قد خاضَ تجربة نفسية أو عقلية أو ما يسمى "روحية" أو عدداً لا يحصى من الاحتمالات، فالقول إن التجربةَ التي خاضَها مُدّعي النبوة هي جزماً وحي من عند إله؛ فيه تحكُّم بلا دليل. ولهذا وجبَ تبيينُ مفهومِ الوحي أولاً والذي لم يأخذ حظاً كافياً -حسب اطلاعي- من النقد والتمحيص للوصول إلى تعريف حدّي مبيّن لماهيته.
هناك حُجج عقلية تُرجع "تواصل" الإله مع البشر إلى مبدأ الحكمة أو اللطف بالقول: ليس من الحكمة أن يخلقَ الإلهُ العالمَ ثم يتركه، أو إن من لوازمِ لطف الله بخلقه أن يرسلَ إليهم الأنبياء بالشرائع التي تنظم حياتهم...، وهذه الحججُ تصادر على مفهوم الإله، وتسلّم مُسبقاً بالتصور الذي جاءت به الأديان عن الإله المتصفِ بصفاتٍ ليست سوى إسقاطاتٍ بشرية، ومنها صفة الحكمة أو الإرادة أو العلم...، فالعقل إنْ أثبت ضرورة سبب أول للموجودات؛ فلا يحتّم وجوبَ كونِ هذا السبب كائناً حياً عاقلاً عليماً… إلى غير ذلك من الصفات التي جاءت بها النصوص الدينية. وهنا تحدث القفزةُ الاستدلالية في إثبات صفات الإله، إذ يتم إلصاقُ الصفات التي جاءت بها الكتب المقدسة؛ يتم إلصاقها بالإله إثرَ إثباتِ سبب أول للموجودات.
لا يمكن الجزمُ بمعاني الصفات الإلهية دون حدٍّ أدنى من تشبيهِ صفات الإله بالبشر، فلا تُفهَم صفاتُ العلم والإرادة والحكمة والرحمة إلا من خلال إسقاطِها على صفات الإنسان، وقد يصحُّ أنْ أزعمَ أن التشبيهَ هو أول مبدأ يتكون عند الإنسان عند تفكيره بالإله، وخصوصاً في طفولته وبسبب محيطه الاجتماعي وبيئته الثقافية والدورِ الذي يقوم به الأفراد المحيطين به.
أقول إنه لا يُتصورُ أن نتوصّلَ إلى معاني صفاتِ الإله دون بعض التشبيه، أي أن صفاتِ الإله إما أن تشبه صفاتِنا أو لا، والأول ممتنعٌ لامتناع التشبيه، أي أنه لا يمكن أن يكونَ الإلهُ مشابهاً للإنسان في صورته، والاستدلال على امتناع هذا تتفق عليه عمومُ الفِرق الكلامية، ولست هنا بصدد إثباتِ امتناع أو جوازِ مشابهة الإله للموجودات. والثاني يَلزمُ عنه الجهلُ بمعاني جميع الصفات، أي أنه لو لم تكن صفاتُ الإله مشابهةً لصفاتنا، أو لم تكن مشابهة لأي شيء توصَّلْنا إليه من خلال الخبرة البشرية؛ فكيف نجزم بمعنىً معين لصفة معينة من صفات الإله؟ فلو قلنا إن الإله حكيم، فإن العقلَ الإنسانيَّ سينطلق في تأسيس رؤية لهذه الصفة الإلهية؛ من مبدأ التشبيه، لأنه لم يُدركْ معنى الحكمةِ إلا من خلال خبرتِه البشرية، وقِس على ذلك صفاتِ العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة...
فليس دقيقاً القولُ إن تواصلَ الإله مع البشر هو من باب الحكمة الإلهية، ففيه تحكُّم بمفهوم الإله، وإسقاطُ المعنى الإنساني للحكمة على هذا التصور بمفهوم الإله. بعبارة أخرى، لو ثبتَ وجود إله، وثبتَ كونُه ماهيةً حية، وثبتَتْ صحةُ اتصافِه بصفات ما، وثبتَ وجوبُ اتصافِه بالحكمة؛ وجبَ أن يكون معنى الحكمة الإلهية مطابقاً لمعنى الحكمة الإنسانية، وإلا لم ندرك المعنى الحقيقي للحكمة الإلهية، ولو لم ندرك المعنى الحقيقي للصفات، فكيف يتمُّ إثباتُ وجوبِ اتصافِه بها؟