مازال سؤالُ الأخلاق والدين مطروحاً في الوسط الفكري، وقد لا يخلو حوار فلسفي من جدل حولَ تحديد العلاقة بين الأخلاق والدين من حيث إمكانية التزام الفرد بالقواعد الأخلاقية دون التزامِه بدين ما. وفي السياقات الدينية المعارِضة للتوجّه الرافض للدين يكون السؤال أكثرَ تحديداً، وهو هل يمكن أن يكون الملحد أخلاقياً؟ لن أتطرقَ للجواب النافي وجودَ أي نوع من الحس الأخلاقي عند الملحد، فهذا التوجه ظاهُر البطلان ومعارَض بالواقع المشاهَد. لفتت انتباهي مقاربةٌ أخرى لسؤال الأخلاق والإلحاد حيث يقال إنه لا تعارضَ بين الإلحاد والأخلاق، فقد يوجد ملحدٌ ذو أخلاق، إلا أن الملحدَ في أخلاقه غيرُ تابعٍ لمنظومة أخلاقية، وفي هذا الادّعاء إشكالات:
١- الإلحاد موقف معرفي متعلق بوجود إله، وليس الإلحادُ موقفاً أخلاقيّاً حتى يقالَ إن الملحدَ لا ينطلق من منظومةٍ أخلاقية. فمَن يتبنّى الموقفَ الإلحادي، فهو يتبنّى موقفاً نافياً وجودَ إله، لا نافياً وجودَ أخلاق، ومن يقول بهذا الكلام يزعم ضمناً أن الأخلاقَ لا تكون إلا بوجود إله، وفي هذا مصادرة على المطلوب، وفيه التسليم المسبَق بالنتيجة وهي وجود إله، وهو محل النزاع بين الملحد والمؤمن، فهذا الادعاء يجعل قضيةً ميتافيزيقية (وجود إله) أساساً لقضية أخلاقية ذاتية وهي التزام الملحد بالأخلاق، أو اتباعُه لمنظومة أخلاقية.
٢- المنظومةُ الأخلاقية في الدين هي إحدى المنظوماتِ الأخلاقية في الفكر الإنساني، وليست بالضرورة أفضلَها ولا أسوأها، فمعيارُ أفضلية المنظومات الأخلاقية يجب ألا ينطلقَ من أساسٍ ميتافيزيقي أو غيبيّ، بل من أساس واقعي مشاهَد يتحدد بالسياق الاجتماعي، أي بالعلاقاتِ بين الأفراد في المجتمع. إن عدمَ التزام الملحد بالمنظومة الأخلاقية الدينية لا يعني عدمَ التزامِه بأي منظومة أخلاقية أخرى، وهذا محضُ ادعاء لا برهانَ عليه، أعني ادعاءَ كون الملحد -وإنْ كان ذا أخلاق- لا يتبع في أفعالِه منظومةً أخلاقية، لانْفكاكِ الجهة بين الموقف الإلحادي الرافض وجودَ إله، والموقف الأخلاقي المتعلقِ بفِعل الإنسان.
٣- الأخلاق جانبٌ عملي لا نظري، والتفريقُ التنظيري بين الأخلاقِ والمنظومة الأخلاقية غيرُ مهم كثيراً على المستوى العملي، فعند تقويم فعلِ الإنسان من حيثيةِ كونه أخلاقياً؛ لا يهمّ كونُ الإنسان يتبنّى منظومةً أخلاقية ينطلق منها في أفعاله أم إنها مجرد أخلاق لا ترتبطُ بمنظومة أخلاقية، لا قيمةَ لهذا التفريق النظري بقدر القيمة الفعلية للسلوك الذي يصدر من الإنسان، فعندما يفعل فردٌ فعلاً ما لا يتم سؤاله: هل سلوكك هذا ينطلق من منظومة أخلاقية أم لا؟ بحيث إن ْكان ينطلق من منظومة أخلاقية فإنه أفضلُ من عدم اتباعه منظومةً أخلاقية. لا قيمةَ لهذا التفريق النظري في مقام تحديدِ القيمة الأخلاقية للفعل الإنساني.
٤- يقال إنه لا توجد فلسفة أخلاقية للإلحاد، وهذا صحيح لأن الإلحادَ ليس نظريةً أصلاً، فضلاً عن أن يكون نظريةً أخلاقية، فكما قلت إن الإلحادَ موقفٌ ينفي وجودَ إله، فهو موقف يتعلق بفكرة ميتافيزيقية، وليس موقفاً متعلقاً بالفعل الإنساني، وبالتالي فإنّ مَن يرفض وجودَ إله، لا يعني أنه رافض للمبادئ الأخلاقية، ولهذا فإنّ سؤال العلاقة بين الملحد والأخلاق أدقُّ في التعبير من سؤال العلاقة بين الإلحاد والأخلاق، فليس الإلحادُ منظومةً فكرية ولا نظرية معرفية ولا موقفاً فلسفياً (وأتحدث هنا عن الإلحاد بمعنى نفي وجودِ إله لعدم كفاية الأدلة، ولا أتحدث عن إثبات عدم وجود إله بالأدلة التي تثبت استحالةَ وجوده). سؤال العلاقةِ بين الملحد والأخلاق أدقُّ مِن سؤال العلاقة بين الإلحاد والأخلاق، ولكنْ لا يعني أنه بحدّ ذاته سؤال دقيق، بل لا معنى له أصلاً، وهو كأنْ يُطرح سؤال: هل من الممكن أن يكون المؤمن عالم بيئة؟ سؤال لا معنى له، ومِثلُه تماماً سؤال العلاقة بين الملحد والأخلاق، ولولا التشويهُ الحاصلُ وكثرةُ ادعاءِ تعارضِ الإلحاد والإيمان لمَا اضطررنا لكتابة هذه السطور.
ترجع الأخلاقُ إلى التفاعل "العملي" بين الناس، والتجسيدِ الفعلي بعمل لما يعتقدُه الفردُ صواباً، وتركِ ما يعتقده خاطئاً، وهذا يتحدد بعواملَ كثيرةٍ كالمصلحة المجتمعية أو القيمةِ العملية للفعل أو الاعتقاد العقلي بكون الفعل صواباً انطلاقاً من أخلاق الواجب. ولست هنا بصدد عرضِ نظرية أخلاقية أو بديلٍ عن المنظومة الأخلاقية الدينية، لكنني أردُّ التعارضَ المتوهَّمَ بين الإلحاد والأخلاق.
قد يقال: كيف نعرف أنّ عملاً ما أخلاقيٌّ إذا لم ننطلق من أساس موضوعي، كالإله مثلا؟ والجواب من عدة وجوه:
١- الحُكم على الفعل بأنه أخلاقي حكم نسبي يعتمد على ثقافة المجتمع. زواج الرجل من ابنة عمه فعلٌ أخلاقي في الثقافة الشرقية، لكنه مثير للاشمئزاز والتقزز في الثقافة الغربية، ونوعُ لباس معين قد ينبني عليه حكمٌ بالتّفسخ الأخلاقي في مجتمع، إلا أنه لباسُ عامّةِ الناس في مجتمع آخر، وهذا يرجع إلى نسبية الأخلاق واختلافِ معاييرها بين المجتمعات، وهذا يرجع في أصله إلى طبيعة الفعل الإنساني الذي هو موضوع علم الأخلاق. وليست نسبيةُ الأخلاق بأمرٍ يَعِيبها، لاستحالةِ أن يوجدَ معيارٌ أخلاقي واحد يتم فرضُه على جميع الأفراد والمجتمعات.
٢- الأخلاق العامّة والمتفقُ عليها منحصرةٌ ومتفق عليها (إلى حد ما، وتختلف باختلاف السياق) كعدم الكذب وعدم التعدي على حرية الآخرين وعدم السرقة...، ولا يُقال إن مصدرَ هذه الأخلاق هو الدين، أي أنه حتى لو لم يكن الانسان مؤمناً، فإنه يبقى مُدركاً كونَها أفعالاً أخلاقية بذاتها، ولا حاجةَ لمصدر خارجي يأمرنا بعدم القتل أو السرقة حتى نقول: إن السرقة فعل غير أخلاقي.
٣- يَفترضُ السؤالُ أن الأخلاقَ يجب أن تكونَ مستندةً على أساسٍ موضوعي، وإلا لا نستطيع الحكمَ على فعل ما أنه أخلاقي، وليس هذا بدقيق، ولا يتعدى التنظيرَ مع إغفال الطبيعةِ العملية للأخلاق، كالتنظير في التفريق بين الأخلاق والمنظومة الأخلاقية! فالحُكم على فعل ما بكونه أخلاقياً أم غيرَ أخلاقي ليس مشروطاً بالعلم باستناده على أساس موضوعي، سواء كان ديناً أم غيره، بل تتحدد أخلاقية الفعل بالنظر إلى الفعل نفسه، دون اشتراطِ وجودِ أساس موضوعي أو منظومةٍ أخلاقية.
٤- يقال: العقولُ مختلفة في الحكم على أخلاقية الفعل، فكيف نعرف الصوابَ الأخلاقي لفِعلٍ ما حتى نفعله؟
اختلافُ العقول في معرفة الحكم الأخلاقي للفعل صواب، إذ الادّعاء أن كلَّ الأخلاق يجب أن تكون مستندة على أساس موضوعي واحد ادّعاءٌ غير دقيق، فقد يختلف حكمُ العقل في تحديدِ القيمة الأخلاقية للفعل، وهذا يتحدد بالسياق المجتمعي (وهذا بخلاف المقاربة العقلية للأخلاق عند كانْت). ثمّ إن الأديانَ مختلفةٌ في الحكم على الأفعال كذلك، فقد يوجد فعل ما مباح في دين ومحرم في دين آخر، فالدين الذي يحرم هذا الفعل يدّعي بأنه فعل غير أخلاقي، ولا يوافقه على هذا الحكم "الأخلاقي" مَن كان في دينه هذا الفعلُ مباحاً، وليس بالإمكانِ الجزمُ بالرأي الموضوعي (رأي الإله) في هذا الشأن، فيُسأل هنا مثلُ السؤال الذي يطرحه المؤمن، كيف نعرف أن فعلاً ما أخلاقيٌّ إنْ كان يتردد بين الحُرمة والإباحة في دينَين؟ ما حكم الإله في فهذا الفعل؟
No comments:
Post a Comment