يولد مفهومُ الإله من رَحم الثقافة، وينمو في المجتمع متأثراً بالإرث الثقافي والتقاليد الشعبية المتمثِّلة في اللغة والسلوك والأعراف، فلا يخلو مظهر اجتماعي إلا ويدخله مفهومُ الإله بعد تطوره وتغلغله في أعماق اللاوعي، وتجذُّرِه في قاع العقل الجمعي. قد يصح القولُ إن مفهومَ الإله واحدٌ عند المجتمع ككل، فصورة الإله العربي واحدة، وتختلف بطبيعتها عن صورة الإله الغربي، أو الإله الصيني.. إلا أنه يصعب القول إن صورةَ الإله واحدةٌ عند كل أفراد المجتمع، مهما اتفقوا على الملامح العامة لصورته. يقفز مفهومُ الإله هنا من المبحث الوجودي إلى الساحةِ الاجتماعية حيث يلبس ثيابَ الثقافة السائدة في المجتمع. لم يمت الإله، ولم نقتلْه نحن، بل وُلد الإله، ونحن صنعناه، إله نيتشه الميت هو الإله الاجتماعي الذي يطابق السائدَ والمعروفَ في الثقافة التي تصنعه، ولا يخالف أعرافَ المجتمع الذي يولد فيه، بل يتفاعل معهم بحضوره، وسماعه نداءاتِهم وتلبيته دعواتهم وقضائه حاجاتِهم. لولا المجتمعُ لمَا كان إله، ولولا التراثُ الثقافي في المجتمع لمَا كان بالإمكان اختراعُ صورة الإله، فلا تكتمل صورته في ذهن الفرد إلا بتفاعلِ عناصرَ ثقافيةٍ واجتماعية تختمرُ في الذهن فتنتج صورةً للإله، صورةً تعكس النمطَ الفكريَّ الغالبَ على هذا المجتمع.
لا يغيب العاملُ النفسي في تشكيل صورة الإله، الإلهِ الناشئ عن الحاجة والخوف، والذي يلعب دورَ الخشبة الطافية التي يتعلق بها آخرُ راكبِ سفينةٍ قبل الغرق، وطوقَ النجاة الذي يكون أغلى من حياة الإنسان نفسها في هذه اللحظة، فقبل الغرق يظن الإنسان أن هذا الطوقَ وذلك الجذع مَن سينقذ حياته، وقد يكون! التصور المجتمعي البسيط عن الإله، كتصورِ الغريق لطوق النجاة، هو النور في نهاية النفق المظلم، والواحة في وسط الصحراء، نركض لنصل للنور، فقد نجده وقد ينطفئ قبل الوصول! ونجرّ أرجلنا لنصل للواحة نرتوي من مائها، فقد تكون واحة، وقد تكون سراباً!
التصور الاجتماعي العام للإله ليس سوى إسقاطاتٍ بشريةٍ نابعة من المخزون الثقافي، أو تخيلاتٍ لِما "يريده" الإنسان من الإله أن يكون، في هذه الحالة يصنع كلُّ إنسان إلهه الخاصَّ به، إلهه الذي سيلبّي له رغباتِه، فيكون إلهُه أملَه الأخيرَ الذي يتعلق به لإنجاز ما تبقّى من أمنياته. يريد الإنسان مرجعاً يستند إليه في حالات الشدة، فيُلبس الإلهَ صفةَ الرحمة، ويأمل الإنسان نجاحاً في حياته، فيطلب التوفيقَ من إلهه الذي يظنُّ أنه هو المسؤول عن توفيقه، لأنه "لو لم يوفقني الإله، فكيف نجحت!"
يتصور الناسُ الإلهَ كفرد جنسهم يتفاعل معهم، يسمع ويردّ وينظر ويضحك ويغضب ثم يرضى إذا تراجعنا عما أغضَبه، يتمثل هذا التصور في فكرة الدعاء، حيث يظن الإنسانُ أن الإلهَ ملِك تُرفع إليه الحاجات والطلبات، ويقرر بناءً على عواملَ عدة أيحقق هذه الطلبات أم لا، فإذا حدث وتحقق المراد، نُسِب ذلك جزماً إلى "الله" الذي استجاب الدعاء وحقق ما طُلب منه. الإشكال يكمن في الجزم المتمثل في نسبة تحقق المراد إلى الله، كيف نتأكد أن الله هو من حقق المراد إن كان المراد سيتحقق بالدعاء وبغير دعاء؟ الدعاء يعامل الإله على أنه الملجأ الذي يقضي الحاجاتِ الصعبةَ، وهذا التصور ناشئ من "إرادة" الإنسان أن تكونَ هناك جهةٌ يُسند ظهرَه إليها تَضمن له قضاءَ حاجاتِه، فإذا لم تتحقق حاجتُه؛ جزَم أنها خير لكونها تقع ضمن خطة "الله" الذي يريد له الخير دائماً. لا نعلم إنْ كان اللهُ يريد لنا الخير، بل ليس بالإمكان أن نعلمَ أصلاً، لكنها "الإرادة" البشرية، الناس يريدون أن يطمئنوا، يفضّلون شعور الراحة الذي يَنتج عند نسبةِ عواقبِ الأمور إلى كيان أقوى، ولكن كيف علمنا أنه أقوى؟
هذا التصور الاجتماعي للإله ككائن متفاعل مع البشر بشكل يومي؛ تدلُّ عليه أبسطُ العبارات المستعمَلة في ثقافتنا مثل: ادعُ الله-الله يوفقك-الله يكون بعونك-الله معاك-الله يحبني (في حالة تيسير أمر معين).. تتحول هذه العبارات عبر الزمن من كونها مجازاً إلى حقيقة، فيتصور الناس أنّ للإله صفاتٍ حيةً كصفاتهم، لكن الفرق أنهم لا يعلمون "كيف"! ويعتبر "تابو" دينياً أن نطرح سؤال "كيف" بأي شيء يتعلق بالإله، هذا التحريم الاجتماعي ناشئ من مبدأ التقديس، يغطي الإنسانُ ما يراه موضوعاً حساساً و"ممنوع الاقتراب" منه، يغطيه بثوب القداسة، ولكن لم يسأل أحد: كيف تطورَ الإلهُ ليصبحَ موضوعاً حساساً يُمنع حتى السؤال عنه بـ "كيف؟"؟ يمثل الإله "الاجتماعي" صمامَ الأمان، والصخرةَ التي يستند إليها الناس، والبساطَ الذي يقف عليه المجتمع، فإذا تم التعرضُ لهذا البساط، أو حتى لو فكّر أحدهم بلمس هذا البساط؛ فسيسقط المجتمع كلُّه، فأفضل حل أن يُمنعَ الحديثُ عنه والتفكير فيه بل وحتى إرادةُ التفكير. في هذه الحالة من تصور الإله الاجتماعي، لا يكون مفهومُ الإله حقيقةً موضوعيةً بقدر ما يكون مفهوماً من صُنعِ عقول البشر، مفهوماً يمنحهم الشعور بالأمان، يزودهم بالقوة معنوية، ويعطيهم الراحةً نفسية المطلوبة كلما رجعوا إليه وسألوه، فيتم التعلقُ به و"إدمانُه" ليس لكونه حقيقة، بل لدوافعَ نفسيةٍ كالشعور بالاطمئنان والسكينة والثقة.
وما المشكلة في هذا؟ الخطير بالأمر أنّ التعلقَ النفسي يبدأ بشعور بالراحة، وينتهي إلى الإدمان وعدم القدرة على الانفكاك عنه. ثم إن التعلقَ النفسيَّ لا يختص بمفهوم الإله، بل قد يتعلق الإنسان بأي مفهوم مِن صُنع عقله، يلجأ إلى هذا المفهوم في أوقات الشدة، وينسب إليه الخيرَ والتوفيق في أمور الدنيا، ثم يصلُ به الحال إلى الخوف من هذا المفهوم الذي هو مُن صُنعِه إذا شعرَ أنه ابتعدَ عنه، ويشعر بالتقصير تجاهه، يتخيله كينونةً حيةً تشعر به ويشعر بها، ولكونها مخفيةً يعظّم من شأنها، فما كان مخفياً فشأنه أعظمُ من الظاهر، لكن يستحيل أن تكونَ صفاتُ هذه الكينونة المخفية مخالفةً لصفات مَن صَنعها، فلا يستطيع الإنسان بناءَ مفهومٍ إلا من موادّ أولية، وهذه المواد الأولية يستخلصها من المعارفِ الذهنية الموجودة مسبقاً، فتكون صفاتُ هذا الكائن الحي "الإله" الذي صنعه ذهن الإنسان؛ مطابقةً تماماً لصفات الإنسان إلى أن يبدأ بتضخيم هذه الصفات، لأنه لو لم يقم بتضخيم ِصفاتِه فسيكون هذا الكائن مشابهاً للإنسان من حيث قوتُه وقدرته، ولن يكونَ بإمكانه أن يزود الإنسان بمعاني الطمأنينة والأمل التي ينشدُها منه.
انتقلَ موضوع "الإله" من البحث الوجودي الذي هو الأصل، إلى البحث المعرفي الذي يتأسس على الوجود. معرفةُ صفاتِ الإله مبنيّةٌ على التحقيق أولاً في مسألة وجوده، فإذا صحَّ وجودُ إله؛ يلزَمُنا البحثُ في حقيقةِ هذا الوجود وما يجري عليه وما لا يجري، حتى نعرفَ كيفيةَ نسبةِ الصفات إليه. ولكن نسبة الصفات إلى الله ليست مستمَدّةً من العقل، بل من النصِّ المقدس الموجَّه إلى العامّة، حيث يراد منهم مطلقُ الإيمان بإله دون الخوض في إشكالات "كون الوجود عين الماهية في مبدأ واجب الوجود، وإلا صحّ انفكاكُهما ذهناً وسقطَت فكرة وجوب وجود إله عقلاً". عامة الناس غير معنيين بهذا الخطاب، فغاية النص المقدس منهم: قل آمنتُ بالله، أو "الله موجود" ولا تسأل كيف. الامتناع عن سؤال "كيف" ليس لأجل فكرة امتناع الكيفية على الإله بقدر ما هي تسليم وإيمان، وتفضيل الراحة العقلية على الخوض في مسائلَ متشابكةٍ، يخشى منها الإنسان أن تنتهيَ به إلى نبذِ ما اعتادَ الاعتقادَ به منذ الصغر. المسألة هنا اعتياد أكثر من كونها اعتقاداً بأمر مطابق للواقع.
أكثر ما يخشاه الإنسان أن يكتشفَ أنّ ما اعتاد عليه خمسين عاماً؛ مبنيّ على أساس هارٍ ضعيف، فيفضّل حينها أن يستمرَّ على ما اعتاد عليه ويتركَ البحثَ في معتقداته إنْ كان هناك احتمال ضئيل أن تكون خاطئة! إن التسليمَ للتعاليم التي يظنّها الإنسان إلهيةَ، خير -بالنسبة له- من البحث والتدقيق في هذه الأوامر، لأنه لا يريد أن يكتشفَ أنها أوامر لا معنى لها والحال أنه قد اعتاد عليها مُذْ وعى على الدنيا، فيكون في هذه الحالة كمن يحلم حلماً رائعاً، لا يريد أن يفكر أنه في حلم لا تَفسُد اللحظاتُ التي يعيشها وإن كانت لحظاتٍ عابرةً. يريد الإنسان أن يكونَ خاضعاً لسلطة عليا تعطيه الأوامر لينفذها، يخاف الإنسان أن يكون سيد نفسه، أن يشكّل قوانينه بنفسه، وذلك لضعف ثقة الإنسان بقدرته، فلا يثق إلا بـ"الأوامر الإلهية"، لأن "الإله يعلم أفضل مما نعلم"، فلا بد أن تكونَ أوامرُه خيراً لنا وإن بدا عكس ذلك، لهذا يُمنع أن تُساءل التعاليم الإلهية، فالله يأمرك، فأطع كما تؤمر!
No comments:
Post a Comment