Friday, May 29, 2020

في تصور مفهوم "الله"


إن التصوّر الذاتي للإله متعدّد بتعدد الأفراد، فمن المستبعَد أن يكون لفردين ذاتُ التصور عن نفس المفهوم. إن تصورَ مفهوم الإله قد لا يكون متفقاً عليه عند أتباع الدين الواحد بل حتى أتباعِ المذهب الواحد. ومرجعُ هذا الاختلاف لأمرين، الأول هو التجارب الشخصية التي يعيشها الفرد في البيئة الدينية خلال السنين الاولى من نشأته. فمن المعلوم أن التصورَ الشائعَ لله بين الأطفال هو شيخٌ عظيم الهيئة ذو لحية بيضاء طويلة جالس على كرسي ينظر للأسفل فلا يفوته شيء من تحركات البشر. وقد يبقى هذا التصور عالقاً في ذهن الإنسان حتى بعد بلوغه إذا لم يُعِدِ النظرَ فيه خوفاً من الوقوع في المحظور، والذي هو "التفكر في ذات الله". إلا أنني أعتقد أن هذا غيرُ جارٍ في سياق البحث العلمي، فالمفاهيم -بما فيها مفهوم الله- يجب أن تُمحَّص حتى تكشفَ عما تحمله من مضامينَ وتُظهر ما تدل عليه من معانٍ.
وللأدبيات الدينية دور في رسم صورة حسية عن "الله" في عقل الفرد. مثال ذلك فكرة نزول الله إلى السماء في الليل، وسماع الله دعاء الناس ورؤيتهم وعلمه المطلق بأحوالهم...إلخ، تُشكّل هذه المفاهيمُ تصوراً حسياً لمفهوم "الله" في ذهن الإنسان، فيرسم صورة "الله" في ذهنه مستفيداً من التجارب اليومية التي يعيشها في حياته، فينتهي إلى أن صورةَ الله كصورة البشر، وصفاتِه كصفات البشر، إلا أنه أعظم وأكبر، قوة وحجماً. ينتج عن هذا التصور الذاتي اختلافُ مفهوم الإله في أذهان المؤمنين به، حيث تختلف التجارب الفردية التي يعيشها الفرد باختلاف بيئة التنشئة.

الأمر الثاني الذي بسببه اختلف تصور مفهوم الإله بين الناس يكمن في عجز اللغة عن إيصال تمام المعنى الذي أراده المتكلم إلى السامع، فمهما بلغت الفكرةُ من وضوح في ذهن المتكلم، فإنها -بتعبير أفلاطوني- تبتعد عن الحقيقة بدرجتين، الأولى عندما تتقيد بالمفردات، والثانية عندما يستقبلها السامع. أما من حيث تقييد المفردات للفكرة الذهنية، فإن الأفكارَ معانٍ في ذهن المتكلم، وقد يكون للمعنى الواحد مفرداتٌ عدة تعبر عنه، إلا أن ترجيحَ المتكلم لمفردة من هذه المفردات دون غيرها يجعل المعنى الذهني مرتبطاً بتلك المفردة على وجه الخصوص، فإذا كان ترجيحُ المتكلم لمفردة ما للتعبير عن فكرته ترجيحاً عشوائياً؛ فذلك هو الابتعاد الأول عن الحقيقة، وإذا قصد المتكلم ترجيحَ مفردة دون غيرها، فإن تصورَ المتكلم لدلالة هذه المفردة لا يكون مطابقاً تماماً لتصور السامع لدلالة نفس المفردة، وذلك ابتعاد أيضاً عن الحقيقة. أما الابتعاد الثاني عن تمام المعنى المراد فيحصل عند استقبال السامع للكلام الذي نطق به المتكلم، فدلالات الألفاظ في ذهن السامع ليست مطابقةً لِما في ذهن المتكلم، فقد يسترسل المتكلم في حديث يتمحور حول مفهوم ذي دلالة خاصة في ذهنه، ويشاركه السامعُ الحديثَ عن ذات المفهوم، إلا أن الدلالةَ ليست ذاتها، وهذا منشأ الاختلاف في تصور المفاهيم تصوراً صحيحاً، ومن أجل ذلك كان تصور المفاهيم تصوراً قريبا من الصحة (ولا أقول صحيحا) سابقاً على الحكم على المفهوم، فإن العبرةَ بدلالة المفهوم لا بالحروف المكوِّنة للمفردة الدالة عليه.

ذكرنا اختلاف الأفراد في "تصور" مفهوم الإله، إلا أنه قد يقال إن مبدأ التصور بحد ذاته يستحيل على مفهوم الله، إذ إن مفهومَ "الله" تعبيرٌ عن اللامتناهي، ودلالته على موجود مطلق بلا قيود أو حدود، وليس التصورُ إلا تحديدٌ للمفهوم، والتحديد واللاتناهي لا يجتمعان، فتحديد المفهوم يعني أنه مفهوم متناهٍ، ومفهوم "الله" دالٌّ على "اللاتناهي"، فلا يصح أن يجتمع المتناهي باللامتناهي. ثم إن المراد بالتصور -منطقياً- إدراكُ الماهية إدراكاً دقيقاً يصح بناءً عليه الحكمُ على هذه الماهية، ويكون هذا التصور دقيقاً بمعرفة الجنس والفصل المميِّز لهذه الماهية عن غيرها من الماهيات، وكل هذه مُحدِّداتٌ لا يصح أن يوصفَ بها "الله" أو اللامتناهي، فإذا وصفناه بها، صار اللامتناهي متناهياً، وفي هذا جمع بين النقيضين.

والإشكال في هذه المقاربة هو في كيفية إدراك وجود موجود لا يُدرَك حتى بالعقل فضلاً عن الحس. فالحاصل أن إدراكَ "الله" لا يعني سوى إدراكِ ما لا يمكن إدراكُه. فالإدراك مرهونٌ بمعرفة الماهية والإحاطة بصفاتها المميِّزة لها عن غيرها من الماهيات، والقول إن "الله" لامتناهٍ مساوٍ في دلالته للقول إن الله لا يُدرَك، ولا معنى لتحقق موجود فعلي لا يستطيع العقل إدراكَه.

قد يقال إننا لا ندرك من "الله" سوى وجودِه، أما ما وراء الوجود من صفات فيعجز العقلُ عن إدراكها.
والجواب عن القسم الأول من هذا الادعاء أنّ هذا في حال سلّمنا أن الوجودَ عين الماهية. إلا أنهما مفهومان متغايران، والراجح أن الماهيةَ ليست عينَ الوجود، بل زائدةً عليه، وزيادتها عليه لا تعني إلا اختلافَ المفهومين، فلا يصح أن يتساوى وجود الله وماهيته في الذهن. أما القسم الثاني المتعلق بعجز العقل عن إدراك صفات الله، فالجواب عليه مبنيٌّ على إثبات صحة اتصاف "الله" بصفات حتى تصحَّ قضيةُ إدراك أو عدم إدراك العقل لهذه الصفات. فإنه لو صحَّ أن لله صفاتٍ، فهي لا تخلو إما أن تكونَ عينَ ماهيته أو زائدةً على ماهيته، والأول يستحيل لاختلاف الماهية عن صفات الماهية، والثاني يستحيل لوجهين: الأول استحالة أن يكون اللامتناهي محدوداً بصفات، فهذا يلزم عنه التحديد الذي هو مناف لكونه لامتناهياً. والثاني: لاستحالة كون البسيط مركباً، وهذا مبني على أمرين، الأول: القول إن وجودَ الله عين ماهيته، ثم على القول إن الوجودَ بسيط غيرُ مركب. ثم إنه لو صح اتصافُ واجب الوجود بصفات ليست هي ماهيته، للزم من هذا أن يكون مركّباً في ذاته، والتركيب ينافي كونَه لامتناهياً، فاستحالَ مبدأ اتصاف "واجب الوجود" بصفات.

قد يقال: إن وجود "الله" هو ماهيته في الخارج، أما في الذهن فيفترقان.
والجواب على هذا الادعاء أنه لو صحّ الانفكاكُ الذهني بين الذات والصفات؛ فأيُّ خصوصيةٍ سيختصُّ بها "الله" أو "واجب الوجود" إذن؟ فكل ماهيةٍ متحققةٍ في الخارج تكون هي عينَ وجودها، أي لا تصح الإشارةُ إلى ماهية غير موجودة. والانفكاك الذهني بين الماهية والوجود لله، يُسقِط مفهومَ واجب الوجود، وهذا مبنيّ على القول إن "الله ماهية لها وجود"، فيكون الوجود صفةً لله، ولا معنى للقول إن الوجود صفةً نفسيةً لله، بمعنى أنها لا تنفكّ عنه، إذ مؤدّى هذا إلى أن اللهَ هو الوجود، وليس ماهيةً لها وجود.
ولهذا نقول إن لازمَ القولِ بمفهوم "واجب الوجود" هو التماهي الذهنيّ بين الوجود والماهية، وهذا غيرُ دقيق، فلو كانت الماهيةُ وجوداً، فلا يصح أن يتصفَ الوجود بالأوصاف المعروفة المنسوبة للخالق، فالوجود بسيط، لا مُشخِّصَ له، ولو صحّ التماهي بين "الله" والوجود، لنتج عندنا "الوجود موجود"، وهذا تحصيل للحاصل
قد يقال: إنه ليس بالإمكان تصورُ ماهيةَ "الله"، حيث لا ماهيةَ وراءَ وجوده، وهو المقصود بقولهم: واجب الوجود ماهيته إنّيّتُه، فماهية "الله" لا يراد بها ما يتحدد بالجنس والفصل، بل المقصودُ بها ما يتحقق به الشيء، وهو المقصود بـ الماهية بالمعنى الأعم.

وهذا القول إنما نشأ لتعزيز صحة القول بمبدأ "واجب الوجود"، إذ لا دليلَ على صحةِ وجودِ مفاهيمَ تكون ماهيّتُها إنّيّتَها سوى مفهومِ "الله". فلا يثبتُ القولُ بـ "واجب الوجود" قبل تحقيقِ القول بمسألة صحة وجود ماهيةٍ هي بحدّ ذاتها وجود، لأن ذاتَ مفهومِ الماهية لا ينطوي على وجود ولا على عدم، ولهذا فالقولُ إن هناك ماهيةً هي وجود؛ محضُ تحكُّم.

Tuesday, May 19, 2020

التشابه بين الأديان

التشابه الحاصل بين الأديان والمذاهب الدينية يطرح أسئلة تثير إشكالات معرفية أدت إلى أن يكون موضع بحث من قِبل علماء وفلاسفة الدين كمفهوم كلي ومعطى ثقافي. بحث التشابه في المعتقدات يجب ألا يتوقف عند مبدأ "تأثر" دين بدين آخر، أو تبنّي مذهب مبادئ مذهب سابق، كما يجب ألا يُختزل في كونه دالّاً على وجود إله أم لا، بل يجب أن يتعمق البحث ليشمل تاريخ الإنسان وثقافته وتفاعل الحضارات، حتى يصل البحث إلى أسباب هذا التشابه بين الديانات ثم لرصد تجلياته في الواقع العملي للدين، وهو ما يفسر التشابه -الذي قد يصل إلى التطابق- في العبادات الفعلية. إن أهمية إدراج بحث تاريخ الإنسان والحضارات في دراسة الدين تتمثل في تحديد "أصل الدين"، أو الإجابة عن سؤال كون الدين تجلياً من تجليات الثقافة البشرية، وهذا ما يظهر عند مقارنة الديانات القديمة كديانة الحضارة المصرية، حيث تشير تصاوير آلهتهم إلى التطابق بين الآلهة والملوك، ومثل ذلك في ديانات الهند، إلا أن هذا يثير تساؤلاً آخر وهو هل الثقافة سابقة على الدين، أم العكس؟ إن ما يبدو لنا هو أن حضور المعتقَد الديني في الحياة اليومية للحضارات القديمة كان بارزاً، ولا يقتصر هذا على امتثال الفرد لأوامر الآلهة عبر العبادة أو القرابين، بل ينسحب حتى على تصور الفرد للإله.

إن التشابه الحاصل بين الأديان الإبراهيمية، وبينها وبين الأديان الأخرى يتضمن دلالات عدة، أوّلها وحدة المصدر. قد نعبر عن هذه الدلالة بكونها "انفصالية"، أي تنفي التواصلَ بين الأديان، وقد تنفي التواصل الثقافي بين الحضارات، والتحقيق في هذا مبني على السؤال المطروح سابقا حول أسبقية الثقافة على الدين. يدّعي هذا التفسير الانفصالي الأصالةَ Originality لكل دين عبر نفي تأثره بما حوله أو بما سبقه من الأديان، ويدل أيضاً على أن كلَّ دين جاء متكاملاً ليس بحاجة -في تشريعاتِه وعقائده- إلى تراث دين آخر.

ما يؤخذ على نظرية "وحدة المصدر" أنها في حين تقدم تفسيرا للتشابه بكون المصدر واحداً، إلا أنها لا تزوّدنا بأي حقيقةٍ تتعلق بهذا المصدر، فقد يكون هذا المصدر ثقافةً أخرى، أي أن مصدر التشابه بين دينين هو دين سابق عليهما، أو ثقافة شعب تم تحويلها إلى دين عبر صبغها بالقداسة. إلا أن هذا التفسير يثير تساؤلاً آخر حول مصدر أول دين في البشرية، أو رصد المظاهر الدينية عند البشر الأوائل. ويُبحث هذا أساساً في الأنثروبولجيا.

قد يفسر التشابه بين العقائد الدينية بالتأثر والتفاعل بين هذه الأديان. ينطوي هذا التفسير على دلالة "اتصالية"، ومؤداها أنه لا دين ينشأ من فراغ، بل لا بد أن يسبق الدينَ الجديد دينٌ آخر، حتى يتسنى للدين اللاحق أن يبنى تعاليمه على الدين السابق من خلال تطوير مبانيه وإعادة صياغة مفاهيمه. هذا التفسير يتناول الدين على أنه أحد تجليات الثقافة في المجتمع. فالثقافة -في السياق السوسيولوجي- مفهوم مرن لا موضوعي صلب. الثقافة المجتمعية تتغير وتتطور، وهذا التطور ناشئ عن احتكاك المجتمعات ببعضها، فتنشأ ثقافة جديدة من امتزاج ثقافة المجتمعات المتخالطة (قد يصح أن نشبّه نشأة ثقافة جديدة بجدلية هيجل في إنتاج الفكرة المركبة من قضية ما ونقيضها).
وهذا في حال كانت الثقافة أصلاً، والدين متفرعاً عنها، ولكن في الجانب النظري على الأقل، فمن يجادل في كون الدين هو الأصل، لا ينكر أن تجليات العقائد الدينية للدين الواحد تختلف باختلاف المجتمعات. نعم، لا يمتد تأثير العامل الجغرافي إلى العقائد الأساسية للدين، إلا أنه يغير من ظواهر الدين تغييراً ملحوظاً، بل يمتد إلى التأثير في كيفية تصور الفرد لموضوع الدين وهو الإله.

الدلالة التالية للتشابه بين المعتقدات الدينية متصلة بالسابقة، وتتمثل في تفسير الدين بكونه منتجاً ثقافياً ينشأ بسبب "حاجة" اجتماعية أو فردية في المجتمع. ترجع هذه هذه الحاجة البشرية تاريخياً إلى ما يسمى بـ "الدين البدائي" في العصور القديمة، وتتمثل في شعور الفرد بضرورة تفسير الظواهر الطبيعية المشاهدة  فالإنسان يميل بطبعه إلى البحث عن العلل الفاعلة للظواهر، فإذا تحقق منها انتقل إلى البحث في العلة الغائية. ولما لم يتحقق البشر من ماهية العلة الفاعلة للظواهر المشاهدة؛ نزعوا إلى صياغة مفهوم يعبر عن ماهية (مجهولة) عظيمة، قوية هي السبب في حدوث الظواهر، وهذه الماهية/الكينونة يجب أن تكون عظيمة من حيث الحجم والقدرة على حد سواء، لأنها سبب الظواهر الكونية العظيمة التي هي جزء من الكون العظيم. سمى البشر هذه الكينونة "إله"، ولمّا كانت ماهية هذه الكينونة متضمنة لمفاهيم العظمة والقوة؛ ولمّا كانت هي المتحكمة بظواهر الكون المخيفة، صار البشر يظنون أنهم يجب أن يخشوها ويخافوها، فظهرت حينئذ معالم العبادة التي تمثلت في تقديم القرابين وتلاوة الصلوات وأداء الشعائر الموسمية...

جرّنا إلى هذا التفصيل مبدأ الحاجة النفسية (أو المعرفية) في المجتمعات البشرية، وكانت الحاجة هذه سبب ظهور الدين. يتعامل هذا التفسير مع الدين على أنه مظهرٌ من مظاهرِ الحضارةِ البشرية، كالعلم والفنّ والعمران والرياضة. ولكون الحضاراتِ الإنسانية لا تعيش في معزلٍ عن التاريخ؛ فإنّ وقوعَ التأثرِ والتشابه وتصدير واستيراد المعرفة بينها حتميّ. وهذا ما يسمى بمبدأ "المعرفة التراكمية".

مما يرتبط بالدلالة الأولى -وهي وحدة المصدر- ما ذكره محمد مصطفى حلمي في كتاب الحياة الروحية في الإسلام، يقول: "إن انتهاء مذهبين الى نتيجة واحدة، أو إلى نتيجتين متشابهتين، لا يعني دائما أن أحد هذين المذهبين متأثر بالآخر أو مستمد منه، وإنما هو قد يعني أيضا أن نفوس الذاهبين إلى هذين المذهبين قد خضعت لظروف وأحكام نفسية واحدة، الأمر الذي لا بد معه أن تنتهي هذه النفوس إلى نتيجة واحدة، أو إلى نتائج متشابهة". يذكر حلمي هذا في سياق رصد التشابه بين التصوف الاسلامي والبوذية، وبالأخص التشابه بين الفناء الصوفي والنيرفانا البوذية، أو بين الاتحاد الصوفي ووحدة الوجود البرهمية. قد يؤخذ تعليقه هذا مأخذ القاعدة المطلقة في دراسة الأديان والمذاهب لارتباطه بتفسير التشابه بين الأديان بوحدة المصدر، والذي غالباً ما يفسر بكونه "الله". إلا أن هناك عدد من الملاحظات على اتخاذ كلامه قاعدة عامة في دراسة الأديان. يتردد كلام الكاتب بين الإثبات والنفي، أي أنه لا يقدم دليلاً لإثبات صحة فرضيته الدالة على وحدة المصدر (والمصدر هنا هو الظروف والأحكام النفسية)، وفي نفس الوقت لا يقدم دليلاً ينفي صحة تفسير التشابه بالتأثر، فاستناداً على تفسيره؛ فكما أنه يمكن أن يكون سبب التشابه هو وحدة الحالة النفسية التي مرّ بها المبشّرون بالدين، فيمكن أن يكون التأثر هو سبب التشابه، فغاية كلامه أنه قد يكون كذا وقد لا يكون! ولا يصح أن تكون قاعدة ما مترددةً بين النفي والإثبات.

ثم إن كلامه يقتصر على "نفوس الذاهبين" في المذاهب الدينية...، أي في الوصول إلى الحقائق الدينية المتعلقة بالوجود، لكن التشابه المزعوم هو في الحكايات المشتهرة في أدبيات الأديان مع اختلاف يسير بينها وبين ثقافات الحضارات القديمة كالمصرية والبابلية والسومرية، كقصة الخلق أو الطوفان، أو حتى في الشرائع التعبدية، كالصلاة والزكاة في الزردشتية والإسلام، أو في الرموز الدينية كالصليب في المسيحية وفي ديانات الأناضول ما قبل الميلاد. هذا التشابه لا يتعلق بـ "نفوس الذاهبين" في الدين، ولا يتعلق التشابه -من هذه الناحية- بحالة نفسية كالتأمل أو غيرها. فمحاولة تفسير التشابه يجب أن تكون من خلال تقديم تفسير -أشبه بالنظرية- يجيب عن جميع أبعاد الموضوع لا عن جهة واحدة، من هنا يجب تفسير هذا التشابه بين الحكايات الدينية والأساطير القديمة، ودلالات تطور هذه الحكايات (الأساطير) مع كل دين جديد أو ثقافة جديدة، ثم كذلك تفسير الاختلاف اليسير بين الحكايات والتشريعات التعبدية وسبب هذا الاختلاف. فالاختلاف -وإن كان يسيراَـ ربما دلّ على كون هذه الأساطير إنتاجاً ثقافياً تم إلباسه رداء القداسة ليتحول إلى جزء لا يتجزأ من أدبيات الدين.


التشابه -في الحكايات خصوصا- يقودنا إلى البحث في تفسير آخر للتشابه بين الأديان. هذا التفسير قائم على مبدأ "رمزية" اللغة الدينية. وينتهي هذا التفسير إلى نتيجة مفادها أن القصص الواردة في النصوص المقدسة لا يراد منها الثبوت التاريخي والتحقق الفعلي بقدر ما يراد منها "المعنى" الكامن وراء الحكاية بشكل عام. ولا يقتصر هذا التفسير على الحكايات الواردة في النصوص المقدسة، بل ينسحب على جميع المفاهيم التي لا يستطيع العقل إدراكها، بما فيها مفهوم "الله"، فأي حديث عن "الله" لا يقصد به موجود خارجي وماهية واقعية يتفاعل معها البشر، وإنما يتم التعامل مع هذا المفهوم على أنه تمثّلٌ للقيم الدينية والمثل العليا.

إلا أن ما يؤخذ على التفسير الرمزي للحكايات الواردة في النصوص المقدسة هو أنه ينظر إلى الحكاية الواحدة وكيفية تفسيرها، ويغضّ النظرَ عن ورود الحكاية في أدبيات دين آخر. فحتى لو سلّمنا أن الحكاية رمزيةٌ لا واقعية فيها، فإن التشابه يبقى قائماً، أي أن رمزية الحكاية أو واقعيتها لا علاقة لها بإثبات أو نفي التشابه.

Saturday, May 9, 2020

فينومينولوجيا الدين

تختلف المقاربات المعرفية في دراسة الدين كمفهوم ومصداق. فالمقاربة التاريخية ترصد نشأة هذا المفهوم في الحضارات القديمة، والمنهج التطوري يرصد المراحلَ التي مرّ بها الدين عبر العصور الماضية إلى هذا العصر، وفي علم الاجتماع (السوسيولوجيا) يُنظر إلى مفهوم الدين بالعلاقة إلى تركيبة المجتمع البشري، فيُحلَّل الدين كما تحلل أي ظاهرة اجتماعية أخرى (الفلكلور الشعبي)، وفي المقاربة السيكولوجية يدرس الدين كحاجة نفسية مرتكِزةً في اللاوعي البشري تتجلى عبر الطقوس والعبادات فيما يسمى "الدين". جميع هذه المقاربات ترصد الدينَ من عبر عدسة خاصة هي عدسة العلم نفسه، يتضمن هذا المبدأ أن الدينَ يجب ألا يُدرَس إلا من خلال علم آخر، وينطوي هذا المنهج على حقيقة مفادها أن الدين ليس علماً، وبالتالي فإن مصطلحَ "المنهج الديني" لا معنى له، حيث إن مناهجَ العلوم تؤخذ من العلم نفسه (وتفسير مصطلح "المنهج" والكيفية التي يجب أن نتعامل معه عند تطبيقه على موضوع ما؛ ليس في حدود هذا المقال).
جاء المنهج الفينومينولوجي (الظواهري) بمقاربة أخرى لدراسة الدين، تتلخص في أن الدينَ يجب أن يُدرَس "من الداخل". فـ "فينومينولوجيا الدين" تتعامل مع الدين كتعبيرٍ بشريّ (ظاهرة) مستقلٍّ بذاته، ولا يُدرَس عبر عدسةِ علم الاجتماع أو علم النفس أو الفلسفة كما في تفسير فرويد النفسي أو دوركهايم الاجتماعي أو التفسيرِ التطوري للدين، وذلك أن الدين كظاهرة له مفاهيمُه الخاصةُ به (المقدس، الطقس، العبادة، التجلي، التجربة الروحية..). هذه المصطلحات مميِّزة للدين عن غيره من الظواهر البشرية، ووجودها ضمن هذا المركب الثقافي (الدين) يجعله قابلا للدراسة عبر تحليل مصطلحات الدين نفسه، غير محتاج إلى علم آخر لفهمه. هذا لا يمنع من فهم الدين من خلال زاوية علم النفس مثلا، أو تحليل الدين تحليلا فلسفيا، إلا أن الدين لا يُفهَم إلا إذا تمت دراسته من خلال ذاته في المقام الأول، ثم بتطبيق مناهج العلوم الأخرى ثانيا.
ولهذا نقول إن المنهجَ الظواهريَّ يدرس الدينَ من داخله، لا عبر تطبيقِ حقل معرفي آخر كعلم النفس أو حتى الفلسفة على الظاهرةِ الدينية. فإذا كنا في صدد تحليلِ ظاهرة دينية طقسية (الصلاة مثلا)، فإن المنهج الفينومينولوجي ينطلق من موقع الصلاة في الدين، وعلاقتها بغيرها من الطقوس، وبغيرها من المبادئ الدينية، وقيمتها في حياة الفرد المتدين، وترتيبها -من حيث الأهمية- بالنسبة للطقوس الأخرى، إلى غير ذلك من تحليل هذه الظاهرة تحليلا "دينياً" لا فلسفياً أو اجتماعياً أو نفسياً، وذلك حتى يتمَّ التوصلُ إلى فهمٍ "موضوعي" للظواهر الدينية الجزئية، ثم لفهم الدين ككلّ فهماً موضوعياً.
‫المقاربة الفينوميولوجية تسعى لوضع أسسٍ موضوعية لدارسة الدين، وهذا يتم عبر ملاحظة الظواهر الدينية وتصنيفها وتحليلها. المنهج الظواهري -بسعيه للموضوعية- يحاول أن يجعلَ من الدين موضوعاً علمياً قابلاً للرصد والتحليل‬، ومنهجُه في هذا مماثل للمنهج العلمي لدراسة الظواهر الطبيعية، ولهذا يقول Kristensen إن فينومينولوجيا الدين هي معالجةٌ منهجية لتاريخ الدين. ولهذا قد يقال إن المنهج الفينومينولوجي وإنْ كان يدرس الدين من داخله، إلا أنه لا يُعنى بتفسير معنى الظاهرة بقدر ما يهتم بموقع هذه الظاهرة الدينية الجزئية من الدين ككل، فوظيفة هذا المنهج في دراسة الدين وظيفة "إدارية" لا وظيفة "فكرية" أو ثقافية. المنهج الظواهري -عند دراسته الدين- لا يقدم أحكاما تتعلق بالظاهرة قيد الدراسة، وهنا تكون مماثلته للمنهج العلمي عبر محاولته تقديمَ تحليل "موضوعي" وصفي لا حكمي.
المنهج الظواهري رسم لنفسه أربع خطوات لدراسة الدين:
١- تجميع البيانات الدينية.
٢- البحث عن نمط.
٣- تحليل بنية الأنماط.
٤- تقديم / افتراض تعميمات.
وبغضّ النظر عن مدى نجاح فكرة افتراضِ أن الدينَ موضوعاً علمياً قابلاً للدراسة من خلال تطبيق المنهج العلمي؛ إلا أنَ هذه المقاربةَ تسعى -موضوعياً- لتصويرِ الدين على أنه تجلٍّ للثقافة البشرية، وحقلٌ معرفي مستقل غيرُ قابلٍ للاختزال في كونه نشأ لمجردِ حاجةٍ نفسية أو اجتماعية.

هذه المقاربة الفينومينولوجية لم تسلم من اعتراضات لاحتمية فكر مابعد الحداثة. يذكر Gavin Flood أنّ فهمَنا للدين كان على مرّ التاريخ فهماً مشروطاً، أي معتمداً على منظوماتٍ معرفية أخرى. ويقول إن المعرفةَ البشرية بكل تجلّياتها لا يمكن عزلها عن السياق "الاجتماعي". ولهذا فإنه لا يمكن دراسةُ الدين بمعزل عن الفروع المعرفية الأخرى، وعلى وجه الخصوص تلك التي تدرس البنيةَ المجتمعية عبر رصدِ الظواهر الاجتماعية؛ والتي منها "الدين". من هنا تكون منزلةُ الدين مساويةً لأي ظاهرةٍ اجتماعية من حيث كونها ظاهرةً "تاريخية" نشأت في الماضي، و"تطورت" عبر الزمن، وقد تكون ناشئة عن حاجة "نفسية"، أو أنها ليست إلا تجلّ من تجليات العقل الجمعي الذي يشترط وجود "مجتمع". فكل هذه المقاربات تكون قابلة للتطبيق على الدين لفهمه، ولا يقتصر الأمر فقط على تقديم تحليل "موضوعي" عبر المقاربة الفينومينولوجية.
وقد يقال إن المنهج الفينومينولوجي لا يعطي أيَّ تصورٍ لنشأة الدين بقدر ما أنه يحاول إعادةَ تصنيف الظواهر الدينية حتى يسهل تناولها والحديثُ عنها والمقارنة بينها، وهذه المقاربة أقرب ما تكون إلى كونها "انفصالية"، أي أنها تتناول الدين على أنه فرع "مستقل" لم يتأثر بأي الظواهر البشرية المحيطةِ به. ثم إن الدينَ لا يتعلق بالظواهر التي يصح رصدها فقط، بل إن أساس الدين مبني على مفهوم "الاعتقاد"، والاعتقاد متعلق بـ "المقدس"، وليس بالإمكان تحليلُ هذه المفاهيم تحليلاً فينومينولوجياً. لا يمكن تحليلها إلا عبر رصد التطوراتِ التاريخية واللغوية التي مرت بها هذه المفردات، وانعكاساتِها في المجتمعات البشرية. إن السعيَ وراء دراسة الدين دراسةً موضوعية يجعل من الدينِ حقيقةً واحدةً لا خلاف عليها كأي حقيقة علمية، وهذا ل يتوافق وطبيعةَ الدين الواقعيةَ على الأقل. إن الدينَ كفمهوم؛ مجرد مفهومٍ ذهني، أما ما في الواقع فهو انعكاسٌ فعلي ومصداق للدين، وهذا المصداق لا يكاد يتفق عليه اثنان فضلاً عن اتفاق جميع الأديان عليه، من أجل ذلك كانت دراسة الدين دراسة موضوعيةً ليست ممكنةً حيث إنها تساوي بين الدين كمفهوم، وبين تجليه في الواقع.
المنهج الظواهري ليس بإمكانه تقديمُ تفسيرٍ حول المفاهيم التي لا تجلّيَ لها في الواقعِ المحسوس، وأهمُّها مفهوم الإله، فليس للإلهِ ظهورٌ محسوس حتى يكونَ بالإمكان رصدُه وتحليله. لا يمكن تحليلُ هذا المفهوم إلا عبر تحليلِ أصلِه "تاريخيا" و"اجتماعيا" عبر دراسةِ أصل نشأته ودورِه في حياة المجتمعات.

Sunday, May 3, 2020

إما الإله أو الحرية

تشكل الحرية الفردية حجر أساس في الفلسفة الوجودية، فالوجودية توجه كل النظر إلى الإنسان من حيث هو إنسان، وإلى البحث في تفاعل الإنسان في مجتمعه على أنه "ذات" مفكرة لا على أنه "شيء". وأخصّ خصائص الإنسان كذات مفكرة هي الحرية، فلأجل أن يكون الإنسان إنسانا حقيقيا يجب أن يزيل كل عقبة تهدد حريته أيا كانت هذه العقبة حتى لو افترضنا أنها الإله. يدعي سارتر أنه حتى مع افتراض صحة وجود إله، فإنه يجب أن يُنفى، وذلك من أجل أن يمارس الإنسان حريته دون تحديد من سلطة عليا تفرض عليه طريقة معينة وتوجيهات محددة ترشده لكيفية استخدام هذه الحرية.

يشير سارتر إلى ثنائية (dichotomy) الله / الحرية، بمعنى أنه لو ثبت أحد طرفي الثنائية للزم ارتفاع الطرف الآخر. فلو ثبت وجود إله، لامتنع كون الإنسان حرا، وحرية الإنسان يُقصد بها أن يتصرف الفرد وفقا لإرادته، فيفعل ما يريد ويترك ما يريد دون أن يكون هناك من يحاسبه على ما فعل وما لم يفعل. قد "يريد" المتدين الإقدام على فعل ما، ويكون "قادرا" على فعله، إلا أن "الخوف" من العقاب و "الرغبة" في الثواب يمنعانه من هذا الفعل. وهذا تقييد لحرية الفرد تقييدا دينيا وإن لم يكن يسمى جبرا. من جهة أخرى لو أثبتنا حرية الإنسان المطلقة فلن يكون لوجود إله معنى، إذ لن يقيد الفعلَ الإنساني أمرٌ غيبي أو تشريع ديني، ولكن سيفعل الإنسان وفقا لإرادته، وربما تتوافق الإرادة الإنسانية مع ما يعتقده المتدين إرادةً إلهية، إلا أن ذلك ليس كافيا لإثبات أي من الحرية أو وجود الله! قد يقال إن حال التشريع الديني كحال القانون السياسي، فالفرد تجاهه -أي القانون- قادر على الإقدام على عمل غير قانوني إلا أنه لا يفعل وإن كان راغبا فيه خوفا من سلطة القانون. ولكن الفرق بين القانون والتشريع الديني أن الأخير ينطوي على مبدأ القداسة، ويستمد سلطته لا من تواضع بشري، وإنما من قوة غيبية متعالية كلية الخير، أما القانون فجائز أن يتغير إلى ضده.
إن قول سارتر حول وجوب رفض فكرة الإله حتى يستطيع أن يمارس الإنسان حريته ليس بقول محدث، بل إننا نجد ذلك في علم الكلام الإسلامي حيث يقول فخر الدين الرازي: "إن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح، وهو نفي الصانع، ولو توقفت لزم الجبر." ويصرح الرازي بأن "الحق إما القول بالجبر أو القول بنفي الصانع." من هنا يصبح القول "إن الله خلقنا أحرارا" قولا لا معنى له عند تحليله عقلا، فلو فرضنا صحة هذا القول للزم إتباعه بالقول إن جميع أفعال الإنسان مع ذلك واقعة تحت قدرة وتصرف وتقدير الله، لئلا تُحدّ قدرة الله المطلقة.
ولكن الإشكال لا يقف هنا، فلو سلّم المؤمن بكونه مجبرا، فإن ذلك يفضي إلى إشكال في فهم مبدأ التكليف الديني، فالأحكام الشرعية منها ما يثاب فاعلها ويعاقب تاركها ومنها ما هو عكس ذلك، ولكن التكليف الشرعي لا يكون ذا معنى إلا إذا كان الإنسان (المكلف) حرا قادرا على الفعل والترك دون محاسبة، وإلا لا معنى لكونه حرا مع "وجوب" الطاعة، ولا يعقل أن يجازى فرد على فعل هو مجبر عليه.

على أن القول بنظرية "الكسب" في المذهب الأشعري لا تزيد الإشكال إلا تعقيدا، إذ إنها -أي النظرية- لم تغير من حقيقة الجبر سوى الألفاظ، فالأفعال الاختيارية في هذه النظرية مخلوقة بقدرة الله ومُكتَسبة للإنسان، فالخالق في الحقيقة هو الله، وليس للإنسان دور فاعل سوى أنه يكتسب هذا الفعل أي يتلبس به، وليس لقدرة الإنسان الإنسان أثر سوى أنها اقترنت بالفعل الذي خلقه! فإن قيل إن الفعل الذي خلقه الله ناتج عن إرادة الإنسان الكاملة، فالرد على هذا بالقول إن هذه الإرادة إما أنها أخضعت إرادة الله وفاقتها، أو أنها إرادة تابعة لإرادة الله، والقول الأول يلغي ضرورة وجود إرادة إلهية، فالفرد قد فعل ما فعل وفقا لإرادته، والقول الثاني مآله القول بالجبر، حيث لم يخرج فعل الإنسان عن إرادة الله. إن القول بالكسب يشبه أن تقول -على مباني الجبرية- "الله يخلق جميع الأفعال وليس للإنسان سوى أن يتلبس بالفعل." ولذلك قيل في تعريف الكسب إنه تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها من غير تأثير، وهذا لا يحل إشكالية الحرية الإنسانية ولا يجعل من الإنسان كامل الحرية، فلو كان الكسب مجرد اقتران بين قدرة الفرد وقدرة الله؛ لما صار الفرد حرا في اختياره أفعالَه، بل تقع كل أفعاله ضمن قدرة الله وتحكّمه.

قد يقال بل إن الفرد حر، ودليل ذلك أن من أراد فعلَ فعلٍ ما غير أخلاقي أو مناف للتشريع الديني فإنه سيفعله دون أن يجد رادعا، فمن أراد أن يسرق مثلا فإن الله سيخلق له فعل السرقة والإنسان يكتسبه. غير أن هذا لا يحل الإشكال، بل يوقع في إشكال آخر وهو خلق الله الشرَّ، وهو ما اجتهد المعتزلة نفيه، ولم يحلوا الإشكال كذلك إذ جعلوا من قدرة الإنسان قدرةً متجاوزة تفوقت على قدرة الله، فالله عند المعتزلة منزه عن خلق الشر، ولكن الإنسان قادر على أن يخلقه متجاوزا بذلك قدرة الله وتحكّمه في مخلوقاته!  أما إذا أخذنا بقول الأشاعرة وهو الكسب (الوجه الآخر للجبر) فإننا سنقع في إشكال خلق الله للشر والسماح للإنسان بفعله ثم محاسبته عليه مع علمه بأنه سيختار فعل الشر. ولا معنى للقول إن العلم صفة كاشفة ولا تؤثر في المعلوم بخلاف الإرادة والقدرة، فإنه يستحيل عند المتكلمين أن يقع في ملك الله أمر مخالف لعلمه، ثم إن الإرادة والقدرة -اللتان تؤثران في المعلوم- تتبعان العلم! إن خلق الله أفعالَ العباد تبعا لإرادتهم -كما في نظرية الكسب- يعني أن الله لو لم يرد خلقها لما استطاع الإنسان اكتسابها، ولكن يقال: إن الإنسان "أراد" هذا الفعل فخلقه الله له! والرد على هذا بالقول إن إرادة الإنسان يستحيل أن تتفوق على إرادة الله، وإلا انتفت الحاجة للقول بوجود إله، يعني هذا أن إرادة الإنسان تابعة لإرادة الله، مما يفضي إلى القول بالجبر بالنهاية، خصوصا مع تصريح الأشاعرة بأن قدرة الإنسان غير مؤثرة في الفعل في مقابل قدرة الله، فيصح أن نقول إذن: فما الحاجة للقول إن للإنسان قدرة وحرية إرادة واختيار؟ ولهذا نقول إن القول بالكسب لا يحل الثنائية المتعارضة بين حرية الإنسان ووجود الخالق.

غير أن من الأشاعرة المعاصرين -أعني محمد زاهد الكوثري- ينفي أن يكون الكسب موافقا للجبر، وينسب فخر الدين الرازي للوهم فيقول: "كون العبد مجبورا في أفعاله ليس من مذهب الأشعري، وأول من عزا ذلك إليه هو الفخر الرازي واهما في التخريج." ولا يسعفنا هنا الاستدلال بالنص الديني، فآيات القرآن متعارضة في هذا المبحث ويمكن أن يستدل بها الجبري والقدري لنصرة مذهبه. ثم إن القول بالجبر -وحتى الكسب- لا يضع إشكالا على مسألة التكليف فحسب، بل حتى على المسؤولية الأخلاقية الفردية، وذلك أن أفعال الإنسان التي تكون موضع مدح وثناء، أو ذم واستهجان؛ هي الأفعال التي تكون صادرة عن حرية مطلقة دون أن تكون معللة بغاية، وإلا فلا معنى لمدح أو ذم فعل صادر عن قسر!

محمد سعيد رمضان البوطي -من المعاصرين كذلك- من القائلين بنظرية الكسب والمدافعين -دون أن يرضى أن يسميها نظرية بل حقيقة قرآنية-، ويرى الكسبَ مطلق الحرية للإنسان، "فالله خلق الإنسان حرا يتصرف كما يشاء." ثم يقول -جوابا عن سؤال الشر: يخيّل إلى من يطرح هذه الشبهة أن الكون الذي خلقه الله تعالى يجب أن يكون خاليا عن الشرور والآلام (...) غير أن الكون لو سار على هذا المنوال لخلا من الحكمة ولبطل معنى التكليف (...) ولمَا تحقق قول الله عز وجل (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون)، إذ لا يكون بعض الناس فتنة لبعض إلا بوجود من يقترف الشر إلى جانت من يبحث دائما عن الخير."

إن القول بحرية الإنسان في تصرفه كما يشاء في الكون لا يحل إشكال الجبر والاختيار أو التسيير والتخيير، بل يؤدي كذلك إلى الإشكال الذي طرحناه سابقا وهو القول بـ "ألوهية" الإنسان (أي كون قدرته مطلقة لا تُحد) وعدم الحاجة لإله، ولا أظن البوطي يقول بالحرية المطلقة بهذه المعنى وإن كان هذا لازم كلامه، إلا أنه يعود لاحقا فيقرر أن الحرية المطلقة مقيدة بإرادة الله، إذ القول بمطلق الحرية ينفي كونَ كل شيء مقدّر مسبقا ومقضيا في علم الله ومكتوب في اللوح المحفوظ! ثم إن الحرية المطلقة، أي حرية الاختيار والفعل والترك، تعني أن للإنسان أن يختار عدم الإيمان ثم لا يحاسب، وإلا فما معنى كون الإنسان حرا في إرادته غير حر في اختياره!

ثم يقول البوطي استدلالا بوجوب وجود الشر في العالم على حرية الإنسان؛ أنه لو لم يوجد الشر لم توجد الحكمة ولم يكن هناك معنى للتكليف ولم يتحقق قول الله "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون"، فلا تتحقق الفتنة إلا بثبوت الشر. وفي هذا الاستدلال خلل، فالفتنة شر بذاتها، وكأنه يقول: لا يتحقق الشر إلا بوجود الشر! ثم إن الآية تتحدث عن الجعل، ودلالة الجعل على الجبر أقوى منها على الاختيار، والأحرى بهذا التقرير أن يسمى تبريرا لوجود الشر، فالشر نتيجة لأمر وليس هو الأصل، بناء على القول بكلية الخير الإلهي. فإن قيل إن وجود الشر بحد ذاته دليل على حرية الإرادة والاختيار أو نتيجة عنها، فمقتضى ذلك أن إرادة الإنسان تفوقت على إرادة الله، إذ لا يريد الله خلق الشر في العالم لأنه منزه عن ذلك، ولكن الإنسان بإرادته خلق الشر! وإذا أردنا بدلنا لفظ "خلق" بقولنا كان سببا في وجود الشر.

يثبت البوطي قدرة الإنسان المطلقة، ثم يتراجع ويقرنها بقدرة الله التي هي القدرة الحقيقية، يقول: "فإذا اتجه قصد الإنسان إلى صرف قدرته (التي هي في الحقيقة قدرة الله) إلى فعل ما، وعزم على إنفاذ ذلك الفعل دون تأخير، أخضع الله له تلك العناصر التي ذكرناها في الأمر الأول، وأجرى ذلك الفعل على يديه." وهذا الكلام -الذي هو في حقيقته قول الأشاعرة في الكسب- يُرجع التأثير في الفعل إلى قدرة الإنسان، ثم يجعل قدرة الإنسان غير فاعلة إلا بالمعنى المجازي للفعل، والقدرة الحقيقية هي لله! فالفعل يتم إما بقدرة الله مطلقا، أو بقدرة الإنسان مطلقا، ومؤدى القول الأول الجبر، والثاني الحرية المطلقة، وفي كلام البوطي ما يوحي بذلك حين قال: "أجرى ذلك الفعل على يديه" فليس الفرد بناء على هذا القول فاعلا في الحقيقة وإنما على سبيل المجاز.

نعود إلى قول البوطي إن وجود الشر الناتج عن حرية الإنسان واجب، إذ لو خلا الكون من الشر لخلا من الحكمة ولبطل معنى التكليف. وفي هذا القول مصادرة على المطلوب، إذ إن إثبات التكليف مبني على تحرير مسألة الجبر والاختيار، والبوطي هنا جعل التكليف هو الأصل ثم بنى عليه وجوب كون الإنسان حرا، فمفهوم كلام لبوطي دال بالتضمن على قضية شرطية متصلة مفادها أن الإنسان إذا كان مجبرا لما صح أن يتعلق به التكليف، ولكن التكليف متعلق به، إذن ليس الإنسان مجبرا. والمصادرة ظاهرة، فإثبات التكليف فرع إثبات أصل الحرية الإنسانية، ولما كان الجدال غير محسوم في مسألة الجبر والاختيار، بطل بناؤها على مسألة متفرعة منها لأجل إثبات أحد طرفي النقيض (وهو الاختيار كما يثبته البوطي). واستدلال البوطي بالتكليف على حرية الإنسان يشبه أن يستدل أحد على صدق النبوة بصدق الكتاب المنزل، فيقول: دعوى النبي محمد صادقة، لأنه لو كانت كاذبة لبطل أن يكون القرآن حقا، ولكن القرآن حق، إذن دعوى البي صادقة. وهذا الاستدلال باطل، إذ إن ثبوت صحة القرآن فرع ثبوت أصل النبوة، وهو كأن يقال بطريقة أخرى: لو كان النبي كاذبا، لما كان القرآن حقا، ولكن القرآن حق، إذن ليس النبي كاذبا. وهذا الاستدلال كسابقه وكلاهما باطل.

ولا يسعفنا -عند تحرير مسألة الجبر والاختيار- القول بالتوسط بين الأمرين، وهو توجه الأشاعرة عموما. يقول حسن الشافعي: "والقول بأن للإنسان قدرة وإرادة وعملا هو وسط بين التفويض المطلق والجبر الخالص." فالجبر والاختيار ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان عن المحل القابل (الإنسان) فإما أن يكون مجبرا أو مختارا، ولا معنى للتوسط. كقول المناطقة في القضية الشرطية المنفصلة المانعة الجمع والخلو: العدد إما زوج أو فرد. فلا معنى للقول إن هناك عدد هو وسط بين الزوج والفرد! ثم يورد حسن الشافعي رسالة الحسن بن علي إلى الحسن البصري في القضاء والقدر يقول: "من لم يؤمن بقضاء الله وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر (...) وإن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا، وإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك، ولو أجبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزا في القدرة…" وليس في هذه الرسالة حجة جديدة.

يقول عبدالسلام بن إبراهيم اللقاني في إتحاف المريد في شرح جوهرة التوحيد: "فالواجب اعتقاده أن بعض أفعاله (أي الإنسان) صادرة عن اختياره، وبعضها الآخر عن اضطراره." ولا يحل هذا القول الإشكال، فقد أسلفنا أن الجبر والاختيار ضدان لا يرتفعان عن المحل ولا يجتمعان فيه في نفس الزمان، ومؤدى قوله الجمعُ بين الجبر والاختيار أي الجمع بين الضدين. ومؤدى قوله كذلك أن الإنسان مكلف وغير مكلف، لأن الجبر يبطل التكليف. ومؤدى قوله كذلك إن الله ظالم وغير ظالم، لأن الجبر ظلم والاختيار ضده. فالقول بأن الإنسان مجبر ومختار يزيد الإشكال تعقيدا مثل القول بأن الإنسان يقع بين الجبر والاختيار. 

ومثله قول الباجوري في حاشيته على جوهرة التوحيد إذ يقول: لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، وبالضرورة أن لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش، دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التخلص عن هذا المضيق بأن الله تعالى خالق للفعل، لكن للعبد في الاختياري منه كسب، والمقدور الواحد يدخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين، فيدخل تحت قدرة الله تعالى بجهة الخلق، وتحت قدرة العبد بجهة الكسب." ويغلق الباجوري باب النقاش في هذه المسألة بقوله: "فإن قيل إذا كان مجبورا باطنا فلا معنى للاختيار الظاهري، لأن الله قد علم وقوع الفعل ولا بد وخلق في العبد القدرة عليه. وأجيب بأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل." وينقل عن إبراهيم الدسوقي ما نُقل عن الفخر الرازي من أن "الإنسان مجبور في صورة مختار." ويبقى الإشكال قائما حيث يرجع الرازي ثم الدسوقي والباجوري أفعالَ الإنسان إلى الاختيار من حيث الظاهر فقط، أما مفهوم ومنطوق كلامهم دال بأن الإنسان في حقيقته فهو مجبر.