تختلف المقاربات المعرفية في دراسة الدين كمفهوم ومصداق. فالمقاربة التاريخية ترصد نشأة هذا المفهوم في الحضارات القديمة، والمنهج التطوري يرصد المراحلَ التي مرّ بها الدين عبر العصور الماضية إلى هذا العصر، وفي علم الاجتماع (السوسيولوجيا) يُنظر إلى مفهوم الدين بالعلاقة إلى تركيبة المجتمع البشري، فيُحلَّل الدين كما تحلل أي ظاهرة اجتماعية أخرى (الفلكلور الشعبي)، وفي المقاربة السيكولوجية يدرس الدين كحاجة نفسية مرتكِزةً في اللاوعي البشري تتجلى عبر الطقوس والعبادات فيما يسمى "الدين". جميع هذه المقاربات ترصد الدينَ من عبر عدسة خاصة هي عدسة العلم نفسه، يتضمن هذا المبدأ أن الدينَ يجب ألا يُدرَس إلا من خلال علم آخر، وينطوي هذا المنهج على حقيقة مفادها أن الدين ليس علماً، وبالتالي فإن مصطلحَ "المنهج الديني" لا معنى له، حيث إن مناهجَ العلوم تؤخذ من العلم نفسه (وتفسير مصطلح "المنهج" والكيفية التي يجب أن نتعامل معه عند تطبيقه على موضوع ما؛ ليس في حدود هذا المقال).
جاء المنهج الفينومينولوجي (الظواهري) بمقاربة أخرى لدراسة الدين، تتلخص في أن الدينَ يجب أن يُدرَس "من الداخل". فـ "فينومينولوجيا الدين" تتعامل مع الدين كتعبيرٍ بشريّ (ظاهرة) مستقلٍّ بذاته، ولا يُدرَس عبر عدسةِ علم الاجتماع أو علم النفس أو الفلسفة كما في تفسير فرويد النفسي أو دوركهايم الاجتماعي أو التفسيرِ التطوري للدين، وذلك أن الدين كظاهرة له مفاهيمُه الخاصةُ به (المقدس، الطقس، العبادة، التجلي، التجربة الروحية..). هذه المصطلحات مميِّزة للدين عن غيره من الظواهر البشرية، ووجودها ضمن هذا المركب الثقافي (الدين) يجعله قابلا للدراسة عبر تحليل مصطلحات الدين نفسه، غير محتاج إلى علم آخر لفهمه. هذا لا يمنع من فهم الدين من خلال زاوية علم النفس مثلا، أو تحليل الدين تحليلا فلسفيا، إلا أن الدين لا يُفهَم إلا إذا تمت دراسته من خلال ذاته في المقام الأول، ثم بتطبيق مناهج العلوم الأخرى ثانيا.
ولهذا نقول إن المنهجَ الظواهريَّ يدرس الدينَ من داخله، لا عبر تطبيقِ حقل معرفي آخر كعلم النفس أو حتى الفلسفة على الظاهرةِ الدينية. فإذا كنا في صدد تحليلِ ظاهرة دينية طقسية (الصلاة مثلا)، فإن المنهج الفينومينولوجي ينطلق من موقع الصلاة في الدين، وعلاقتها بغيرها من الطقوس، وبغيرها من المبادئ الدينية، وقيمتها في حياة الفرد المتدين، وترتيبها -من حيث الأهمية- بالنسبة للطقوس الأخرى، إلى غير ذلك من تحليل هذه الظاهرة تحليلا "دينياً" لا فلسفياً أو اجتماعياً أو نفسياً، وذلك حتى يتمَّ التوصلُ إلى فهمٍ "موضوعي" للظواهر الدينية الجزئية، ثم لفهم الدين ككلّ فهماً موضوعياً.
المقاربة الفينوميولوجية تسعى لوضع أسسٍ موضوعية لدارسة الدين، وهذا يتم عبر ملاحظة الظواهر الدينية وتصنيفها وتحليلها. المنهج الظواهري -بسعيه للموضوعية- يحاول أن يجعلَ من الدين موضوعاً علمياً قابلاً للرصد والتحليل، ومنهجُه في هذا مماثل للمنهج العلمي لدراسة الظواهر الطبيعية، ولهذا يقول Kristensen إن فينومينولوجيا الدين هي معالجةٌ منهجية لتاريخ الدين. ولهذا قد يقال إن المنهج الفينومينولوجي وإنْ كان يدرس الدين من داخله، إلا أنه لا يُعنى بتفسير معنى الظاهرة بقدر ما يهتم بموقع هذه الظاهرة الدينية الجزئية من الدين ككل، فوظيفة هذا المنهج في دراسة الدين وظيفة "إدارية" لا وظيفة "فكرية" أو ثقافية. المنهج الظواهري -عند دراسته الدين- لا يقدم أحكاما تتعلق بالظاهرة قيد الدراسة، وهنا تكون مماثلته للمنهج العلمي عبر محاولته تقديمَ تحليل "موضوعي" وصفي لا حكمي.
المنهج الظواهري رسم لنفسه أربع خطوات لدراسة الدين:
١- تجميع البيانات الدينية.
٢- البحث عن نمط.
٣- تحليل بنية الأنماط.
٤- تقديم / افتراض تعميمات.
وبغضّ النظر عن مدى نجاح فكرة افتراضِ أن الدينَ موضوعاً علمياً قابلاً للدراسة من خلال تطبيق المنهج العلمي؛ إلا أنَ هذه المقاربةَ تسعى -موضوعياً- لتصويرِ الدين على أنه تجلٍّ للثقافة البشرية، وحقلٌ معرفي مستقل غيرُ قابلٍ للاختزال في كونه نشأ لمجردِ حاجةٍ نفسية أو اجتماعية.
هذه المقاربة الفينومينولوجية لم تسلم من اعتراضات لاحتمية فكر مابعد الحداثة. يذكر Gavin Flood أنّ فهمَنا للدين كان على مرّ التاريخ فهماً مشروطاً، أي معتمداً على منظوماتٍ معرفية أخرى. ويقول إن المعرفةَ البشرية بكل تجلّياتها لا يمكن عزلها عن السياق "الاجتماعي". ولهذا فإنه لا يمكن دراسةُ الدين بمعزل عن الفروع المعرفية الأخرى، وعلى وجه الخصوص تلك التي تدرس البنيةَ المجتمعية عبر رصدِ الظواهر الاجتماعية؛ والتي منها "الدين". من هنا تكون منزلةُ الدين مساويةً لأي ظاهرةٍ اجتماعية من حيث كونها ظاهرةً "تاريخية" نشأت في الماضي، و"تطورت" عبر الزمن، وقد تكون ناشئة عن حاجة "نفسية"، أو أنها ليست إلا تجلّ من تجليات العقل الجمعي الذي يشترط وجود "مجتمع". فكل هذه المقاربات تكون قابلة للتطبيق على الدين لفهمه، ولا يقتصر الأمر فقط على تقديم تحليل "موضوعي" عبر المقاربة الفينومينولوجية.
وقد يقال إن المنهج الفينومينولوجي لا يعطي أيَّ تصورٍ لنشأة الدين بقدر ما أنه يحاول إعادةَ تصنيف الظواهر الدينية حتى يسهل تناولها والحديثُ عنها والمقارنة بينها، وهذه المقاربة أقرب ما تكون إلى كونها "انفصالية"، أي أنها تتناول الدين على أنه فرع "مستقل" لم يتأثر بأي الظواهر البشرية المحيطةِ به. ثم إن الدينَ لا يتعلق بالظواهر التي يصح رصدها فقط، بل إن أساس الدين مبني على مفهوم "الاعتقاد"، والاعتقاد متعلق بـ "المقدس"، وليس بالإمكان تحليلُ هذه المفاهيم تحليلاً فينومينولوجياً. لا يمكن تحليلها إلا عبر رصد التطوراتِ التاريخية واللغوية التي مرت بها هذه المفردات، وانعكاساتِها في المجتمعات البشرية. إن السعيَ وراء دراسة الدين دراسةً موضوعية يجعل من الدينِ حقيقةً واحدةً لا خلاف عليها كأي حقيقة علمية، وهذا ل يتوافق وطبيعةَ الدين الواقعيةَ على الأقل. إن الدينَ كفمهوم؛ مجرد مفهومٍ ذهني، أما ما في الواقع فهو انعكاسٌ فعلي ومصداق للدين، وهذا المصداق لا يكاد يتفق عليه اثنان فضلاً عن اتفاق جميع الأديان عليه، من أجل ذلك كانت دراسة الدين دراسة موضوعيةً ليست ممكنةً حيث إنها تساوي بين الدين كمفهوم، وبين تجليه في الواقع.
المنهج الظواهري ليس بإمكانه تقديمُ تفسيرٍ حول المفاهيم التي لا تجلّيَ لها في الواقعِ المحسوس، وأهمُّها مفهوم الإله، فليس للإلهِ ظهورٌ محسوس حتى يكونَ بالإمكان رصدُه وتحليله. لا يمكن تحليلُ هذا المفهوم إلا عبر تحليلِ أصلِه "تاريخيا" و"اجتماعيا" عبر دراسةِ أصل نشأته ودورِه في حياة المجتمعات.
No comments:
Post a Comment