التشابه الحاصل بين الأديان والمذاهب الدينية يطرح أسئلة تثير إشكالات معرفية أدت إلى أن يكون موضع بحث من قِبل علماء وفلاسفة الدين كمفهوم كلي ومعطى ثقافي. بحث التشابه في المعتقدات يجب ألا يتوقف عند مبدأ "تأثر" دين بدين آخر، أو تبنّي مذهب مبادئ مذهب سابق، كما يجب ألا يُختزل في كونه دالّاً على وجود إله أم لا، بل يجب أن يتعمق البحث ليشمل تاريخ الإنسان وثقافته وتفاعل الحضارات، حتى يصل البحث إلى أسباب هذا التشابه بين الديانات ثم لرصد تجلياته في الواقع العملي للدين، وهو ما يفسر التشابه -الذي قد يصل إلى التطابق- في العبادات الفعلية. إن أهمية إدراج بحث تاريخ الإنسان والحضارات في دراسة الدين تتمثل في تحديد "أصل الدين"، أو الإجابة عن سؤال كون الدين تجلياً من تجليات الثقافة البشرية، وهذا ما يظهر عند مقارنة الديانات القديمة كديانة الحضارة المصرية، حيث تشير تصاوير آلهتهم إلى التطابق بين الآلهة والملوك، ومثل ذلك في ديانات الهند، إلا أن هذا يثير تساؤلاً آخر وهو هل الثقافة سابقة على الدين، أم العكس؟ إن ما يبدو لنا هو أن حضور المعتقَد الديني في الحياة اليومية للحضارات القديمة كان بارزاً، ولا يقتصر هذا على امتثال الفرد لأوامر الآلهة عبر العبادة أو القرابين، بل ينسحب حتى على تصور الفرد للإله.
إن التشابه الحاصل بين الأديان الإبراهيمية، وبينها وبين الأديان الأخرى يتضمن دلالات عدة، أوّلها وحدة المصدر. قد نعبر عن هذه الدلالة بكونها "انفصالية"، أي تنفي التواصلَ بين الأديان، وقد تنفي التواصل الثقافي بين الحضارات، والتحقيق في هذا مبني على السؤال المطروح سابقا حول أسبقية الثقافة على الدين. يدّعي هذا التفسير الانفصالي الأصالةَ Originality لكل دين عبر نفي تأثره بما حوله أو بما سبقه من الأديان، ويدل أيضاً على أن كلَّ دين جاء متكاملاً ليس بحاجة -في تشريعاتِه وعقائده- إلى تراث دين آخر.
ما يؤخذ على نظرية "وحدة المصدر" أنها في حين تقدم تفسيرا للتشابه بكون المصدر واحداً، إلا أنها لا تزوّدنا بأي حقيقةٍ تتعلق بهذا المصدر، فقد يكون هذا المصدر ثقافةً أخرى، أي أن مصدر التشابه بين دينين هو دين سابق عليهما، أو ثقافة شعب تم تحويلها إلى دين عبر صبغها بالقداسة. إلا أن هذا التفسير يثير تساؤلاً آخر حول مصدر أول دين في البشرية، أو رصد المظاهر الدينية عند البشر الأوائل. ويُبحث هذا أساساً في الأنثروبولجيا.
قد يفسر التشابه بين العقائد الدينية بالتأثر والتفاعل بين هذه الأديان. ينطوي هذا التفسير على دلالة "اتصالية"، ومؤداها أنه لا دين ينشأ من فراغ، بل لا بد أن يسبق الدينَ الجديد دينٌ آخر، حتى يتسنى للدين اللاحق أن يبنى تعاليمه على الدين السابق من خلال تطوير مبانيه وإعادة صياغة مفاهيمه. هذا التفسير يتناول الدين على أنه أحد تجليات الثقافة في المجتمع. فالثقافة -في السياق السوسيولوجي- مفهوم مرن لا موضوعي صلب. الثقافة المجتمعية تتغير وتتطور، وهذا التطور ناشئ عن احتكاك المجتمعات ببعضها، فتنشأ ثقافة جديدة من امتزاج ثقافة المجتمعات المتخالطة (قد يصح أن نشبّه نشأة ثقافة جديدة بجدلية هيجل في إنتاج الفكرة المركبة من قضية ما ونقيضها).
وهذا في حال كانت الثقافة أصلاً، والدين متفرعاً عنها، ولكن في الجانب النظري على الأقل، فمن يجادل في كون الدين هو الأصل، لا ينكر أن تجليات العقائد الدينية للدين الواحد تختلف باختلاف المجتمعات. نعم، لا يمتد تأثير العامل الجغرافي إلى العقائد الأساسية للدين، إلا أنه يغير من ظواهر الدين تغييراً ملحوظاً، بل يمتد إلى التأثير في كيفية تصور الفرد لموضوع الدين وهو الإله.
الدلالة التالية للتشابه بين المعتقدات الدينية متصلة بالسابقة، وتتمثل في تفسير الدين بكونه منتجاً ثقافياً ينشأ بسبب "حاجة" اجتماعية أو فردية في المجتمع. ترجع هذه هذه الحاجة البشرية تاريخياً إلى ما يسمى بـ "الدين البدائي" في العصور القديمة، وتتمثل في شعور الفرد بضرورة تفسير الظواهر الطبيعية المشاهدة فالإنسان يميل بطبعه إلى البحث عن العلل الفاعلة للظواهر، فإذا تحقق منها انتقل إلى البحث في العلة الغائية. ولما لم يتحقق البشر من ماهية العلة الفاعلة للظواهر المشاهدة؛ نزعوا إلى صياغة مفهوم يعبر عن ماهية (مجهولة) عظيمة، قوية هي السبب في حدوث الظواهر، وهذه الماهية/الكينونة يجب أن تكون عظيمة من حيث الحجم والقدرة على حد سواء، لأنها سبب الظواهر الكونية العظيمة التي هي جزء من الكون العظيم. سمى البشر هذه الكينونة "إله"، ولمّا كانت ماهية هذه الكينونة متضمنة لمفاهيم العظمة والقوة؛ ولمّا كانت هي المتحكمة بظواهر الكون المخيفة، صار البشر يظنون أنهم يجب أن يخشوها ويخافوها، فظهرت حينئذ معالم العبادة التي تمثلت في تقديم القرابين وتلاوة الصلوات وأداء الشعائر الموسمية...
جرّنا إلى هذا التفصيل مبدأ الحاجة النفسية (أو المعرفية) في المجتمعات البشرية، وكانت الحاجة هذه سبب ظهور الدين. يتعامل هذا التفسير مع الدين على أنه مظهرٌ من مظاهرِ الحضارةِ البشرية، كالعلم والفنّ والعمران والرياضة. ولكون الحضاراتِ الإنسانية لا تعيش في معزلٍ عن التاريخ؛ فإنّ وقوعَ التأثرِ والتشابه وتصدير واستيراد المعرفة بينها حتميّ. وهذا ما يسمى بمبدأ "المعرفة التراكمية".
مما يرتبط بالدلالة الأولى -وهي وحدة المصدر- ما ذكره محمد مصطفى حلمي في كتاب الحياة الروحية في الإسلام، يقول: "إن انتهاء مذهبين الى نتيجة واحدة، أو إلى نتيجتين متشابهتين، لا يعني دائما أن أحد هذين المذهبين متأثر بالآخر أو مستمد منه، وإنما هو قد يعني أيضا أن نفوس الذاهبين إلى هذين المذهبين قد خضعت لظروف وأحكام نفسية واحدة، الأمر الذي لا بد معه أن تنتهي هذه النفوس إلى نتيجة واحدة، أو إلى نتائج متشابهة". يذكر حلمي هذا في سياق رصد التشابه بين التصوف الاسلامي والبوذية، وبالأخص التشابه بين الفناء الصوفي والنيرفانا البوذية، أو بين الاتحاد الصوفي ووحدة الوجود البرهمية. قد يؤخذ تعليقه هذا مأخذ القاعدة المطلقة في دراسة الأديان والمذاهب لارتباطه بتفسير التشابه بين الأديان بوحدة المصدر، والذي غالباً ما يفسر بكونه "الله". إلا أن هناك عدد من الملاحظات على اتخاذ كلامه قاعدة عامة في دراسة الأديان. يتردد كلام الكاتب بين الإثبات والنفي، أي أنه لا يقدم دليلاً لإثبات صحة فرضيته الدالة على وحدة المصدر (والمصدر هنا هو الظروف والأحكام النفسية)، وفي نفس الوقت لا يقدم دليلاً ينفي صحة تفسير التشابه بالتأثر، فاستناداً على تفسيره؛ فكما أنه يمكن أن يكون سبب التشابه هو وحدة الحالة النفسية التي مرّ بها المبشّرون بالدين، فيمكن أن يكون التأثر هو سبب التشابه، فغاية كلامه أنه قد يكون كذا وقد لا يكون! ولا يصح أن تكون قاعدة ما مترددةً بين النفي والإثبات.
ثم إن كلامه يقتصر على "نفوس الذاهبين" في المذاهب الدينية...، أي في الوصول إلى الحقائق الدينية المتعلقة بالوجود، لكن التشابه المزعوم هو في الحكايات المشتهرة في أدبيات الأديان مع اختلاف يسير بينها وبين ثقافات الحضارات القديمة كالمصرية والبابلية والسومرية، كقصة الخلق أو الطوفان، أو حتى في الشرائع التعبدية، كالصلاة والزكاة في الزردشتية والإسلام، أو في الرموز الدينية كالصليب في المسيحية وفي ديانات الأناضول ما قبل الميلاد. هذا التشابه لا يتعلق بـ "نفوس الذاهبين" في الدين، ولا يتعلق التشابه -من هذه الناحية- بحالة نفسية كالتأمل أو غيرها. فمحاولة تفسير التشابه يجب أن تكون من خلال تقديم تفسير -أشبه بالنظرية- يجيب عن جميع أبعاد الموضوع لا عن جهة واحدة، من هنا يجب تفسير هذا التشابه بين الحكايات الدينية والأساطير القديمة، ودلالات تطور هذه الحكايات (الأساطير) مع كل دين جديد أو ثقافة جديدة، ثم كذلك تفسير الاختلاف اليسير بين الحكايات والتشريعات التعبدية وسبب هذا الاختلاف. فالاختلاف -وإن كان يسيراَـ ربما دلّ على كون هذه الأساطير إنتاجاً ثقافياً تم إلباسه رداء القداسة ليتحول إلى جزء لا يتجزأ من أدبيات الدين.
التشابه -في الحكايات خصوصا- يقودنا إلى البحث في تفسير آخر للتشابه بين الأديان. هذا التفسير قائم على مبدأ "رمزية" اللغة الدينية. وينتهي هذا التفسير إلى نتيجة مفادها أن القصص الواردة في النصوص المقدسة لا يراد منها الثبوت التاريخي والتحقق الفعلي بقدر ما يراد منها "المعنى" الكامن وراء الحكاية بشكل عام. ولا يقتصر هذا التفسير على الحكايات الواردة في النصوص المقدسة، بل ينسحب على جميع المفاهيم التي لا يستطيع العقل إدراكها، بما فيها مفهوم "الله"، فأي حديث عن "الله" لا يقصد به موجود خارجي وماهية واقعية يتفاعل معها البشر، وإنما يتم التعامل مع هذا المفهوم على أنه تمثّلٌ للقيم الدينية والمثل العليا.
إلا أن ما يؤخذ على التفسير الرمزي للحكايات الواردة في النصوص المقدسة هو أنه ينظر إلى الحكاية الواحدة وكيفية تفسيرها، ويغضّ النظرَ عن ورود الحكاية في أدبيات دين آخر. فحتى لو سلّمنا أن الحكاية رمزيةٌ لا واقعية فيها، فإن التشابه يبقى قائماً، أي أن رمزية الحكاية أو واقعيتها لا علاقة لها بإثبات أو نفي التشابه.
No comments:
Post a Comment