Friday, May 29, 2020

في تصور مفهوم "الله"


إن التصوّر الذاتي للإله متعدّد بتعدد الأفراد، فمن المستبعَد أن يكون لفردين ذاتُ التصور عن نفس المفهوم. إن تصورَ مفهوم الإله قد لا يكون متفقاً عليه عند أتباع الدين الواحد بل حتى أتباعِ المذهب الواحد. ومرجعُ هذا الاختلاف لأمرين، الأول هو التجارب الشخصية التي يعيشها الفرد في البيئة الدينية خلال السنين الاولى من نشأته. فمن المعلوم أن التصورَ الشائعَ لله بين الأطفال هو شيخٌ عظيم الهيئة ذو لحية بيضاء طويلة جالس على كرسي ينظر للأسفل فلا يفوته شيء من تحركات البشر. وقد يبقى هذا التصور عالقاً في ذهن الإنسان حتى بعد بلوغه إذا لم يُعِدِ النظرَ فيه خوفاً من الوقوع في المحظور، والذي هو "التفكر في ذات الله". إلا أنني أعتقد أن هذا غيرُ جارٍ في سياق البحث العلمي، فالمفاهيم -بما فيها مفهوم الله- يجب أن تُمحَّص حتى تكشفَ عما تحمله من مضامينَ وتُظهر ما تدل عليه من معانٍ.
وللأدبيات الدينية دور في رسم صورة حسية عن "الله" في عقل الفرد. مثال ذلك فكرة نزول الله إلى السماء في الليل، وسماع الله دعاء الناس ورؤيتهم وعلمه المطلق بأحوالهم...إلخ، تُشكّل هذه المفاهيمُ تصوراً حسياً لمفهوم "الله" في ذهن الإنسان، فيرسم صورة "الله" في ذهنه مستفيداً من التجارب اليومية التي يعيشها في حياته، فينتهي إلى أن صورةَ الله كصورة البشر، وصفاتِه كصفات البشر، إلا أنه أعظم وأكبر، قوة وحجماً. ينتج عن هذا التصور الذاتي اختلافُ مفهوم الإله في أذهان المؤمنين به، حيث تختلف التجارب الفردية التي يعيشها الفرد باختلاف بيئة التنشئة.

الأمر الثاني الذي بسببه اختلف تصور مفهوم الإله بين الناس يكمن في عجز اللغة عن إيصال تمام المعنى الذي أراده المتكلم إلى السامع، فمهما بلغت الفكرةُ من وضوح في ذهن المتكلم، فإنها -بتعبير أفلاطوني- تبتعد عن الحقيقة بدرجتين، الأولى عندما تتقيد بالمفردات، والثانية عندما يستقبلها السامع. أما من حيث تقييد المفردات للفكرة الذهنية، فإن الأفكارَ معانٍ في ذهن المتكلم، وقد يكون للمعنى الواحد مفرداتٌ عدة تعبر عنه، إلا أن ترجيحَ المتكلم لمفردة من هذه المفردات دون غيرها يجعل المعنى الذهني مرتبطاً بتلك المفردة على وجه الخصوص، فإذا كان ترجيحُ المتكلم لمفردة ما للتعبير عن فكرته ترجيحاً عشوائياً؛ فذلك هو الابتعاد الأول عن الحقيقة، وإذا قصد المتكلم ترجيحَ مفردة دون غيرها، فإن تصورَ المتكلم لدلالة هذه المفردة لا يكون مطابقاً تماماً لتصور السامع لدلالة نفس المفردة، وذلك ابتعاد أيضاً عن الحقيقة. أما الابتعاد الثاني عن تمام المعنى المراد فيحصل عند استقبال السامع للكلام الذي نطق به المتكلم، فدلالات الألفاظ في ذهن السامع ليست مطابقةً لِما في ذهن المتكلم، فقد يسترسل المتكلم في حديث يتمحور حول مفهوم ذي دلالة خاصة في ذهنه، ويشاركه السامعُ الحديثَ عن ذات المفهوم، إلا أن الدلالةَ ليست ذاتها، وهذا منشأ الاختلاف في تصور المفاهيم تصوراً صحيحاً، ومن أجل ذلك كان تصور المفاهيم تصوراً قريبا من الصحة (ولا أقول صحيحا) سابقاً على الحكم على المفهوم، فإن العبرةَ بدلالة المفهوم لا بالحروف المكوِّنة للمفردة الدالة عليه.

ذكرنا اختلاف الأفراد في "تصور" مفهوم الإله، إلا أنه قد يقال إن مبدأ التصور بحد ذاته يستحيل على مفهوم الله، إذ إن مفهومَ "الله" تعبيرٌ عن اللامتناهي، ودلالته على موجود مطلق بلا قيود أو حدود، وليس التصورُ إلا تحديدٌ للمفهوم، والتحديد واللاتناهي لا يجتمعان، فتحديد المفهوم يعني أنه مفهوم متناهٍ، ومفهوم "الله" دالٌّ على "اللاتناهي"، فلا يصح أن يجتمع المتناهي باللامتناهي. ثم إن المراد بالتصور -منطقياً- إدراكُ الماهية إدراكاً دقيقاً يصح بناءً عليه الحكمُ على هذه الماهية، ويكون هذا التصور دقيقاً بمعرفة الجنس والفصل المميِّز لهذه الماهية عن غيرها من الماهيات، وكل هذه مُحدِّداتٌ لا يصح أن يوصفَ بها "الله" أو اللامتناهي، فإذا وصفناه بها، صار اللامتناهي متناهياً، وفي هذا جمع بين النقيضين.

والإشكال في هذه المقاربة هو في كيفية إدراك وجود موجود لا يُدرَك حتى بالعقل فضلاً عن الحس. فالحاصل أن إدراكَ "الله" لا يعني سوى إدراكِ ما لا يمكن إدراكُه. فالإدراك مرهونٌ بمعرفة الماهية والإحاطة بصفاتها المميِّزة لها عن غيرها من الماهيات، والقول إن "الله" لامتناهٍ مساوٍ في دلالته للقول إن الله لا يُدرَك، ولا معنى لتحقق موجود فعلي لا يستطيع العقل إدراكَه.

قد يقال إننا لا ندرك من "الله" سوى وجودِه، أما ما وراء الوجود من صفات فيعجز العقلُ عن إدراكها.
والجواب عن القسم الأول من هذا الادعاء أنّ هذا في حال سلّمنا أن الوجودَ عين الماهية. إلا أنهما مفهومان متغايران، والراجح أن الماهيةَ ليست عينَ الوجود، بل زائدةً عليه، وزيادتها عليه لا تعني إلا اختلافَ المفهومين، فلا يصح أن يتساوى وجود الله وماهيته في الذهن. أما القسم الثاني المتعلق بعجز العقل عن إدراك صفات الله، فالجواب عليه مبنيٌّ على إثبات صحة اتصاف "الله" بصفات حتى تصحَّ قضيةُ إدراك أو عدم إدراك العقل لهذه الصفات. فإنه لو صحَّ أن لله صفاتٍ، فهي لا تخلو إما أن تكونَ عينَ ماهيته أو زائدةً على ماهيته، والأول يستحيل لاختلاف الماهية عن صفات الماهية، والثاني يستحيل لوجهين: الأول استحالة أن يكون اللامتناهي محدوداً بصفات، فهذا يلزم عنه التحديد الذي هو مناف لكونه لامتناهياً. والثاني: لاستحالة كون البسيط مركباً، وهذا مبني على أمرين، الأول: القول إن وجودَ الله عين ماهيته، ثم على القول إن الوجودَ بسيط غيرُ مركب. ثم إنه لو صح اتصافُ واجب الوجود بصفات ليست هي ماهيته، للزم من هذا أن يكون مركّباً في ذاته، والتركيب ينافي كونَه لامتناهياً، فاستحالَ مبدأ اتصاف "واجب الوجود" بصفات.

قد يقال: إن وجود "الله" هو ماهيته في الخارج، أما في الذهن فيفترقان.
والجواب على هذا الادعاء أنه لو صحّ الانفكاكُ الذهني بين الذات والصفات؛ فأيُّ خصوصيةٍ سيختصُّ بها "الله" أو "واجب الوجود" إذن؟ فكل ماهيةٍ متحققةٍ في الخارج تكون هي عينَ وجودها، أي لا تصح الإشارةُ إلى ماهية غير موجودة. والانفكاك الذهني بين الماهية والوجود لله، يُسقِط مفهومَ واجب الوجود، وهذا مبنيّ على القول إن "الله ماهية لها وجود"، فيكون الوجود صفةً لله، ولا معنى للقول إن الوجود صفةً نفسيةً لله، بمعنى أنها لا تنفكّ عنه، إذ مؤدّى هذا إلى أن اللهَ هو الوجود، وليس ماهيةً لها وجود.
ولهذا نقول إن لازمَ القولِ بمفهوم "واجب الوجود" هو التماهي الذهنيّ بين الوجود والماهية، وهذا غيرُ دقيق، فلو كانت الماهيةُ وجوداً، فلا يصح أن يتصفَ الوجود بالأوصاف المعروفة المنسوبة للخالق، فالوجود بسيط، لا مُشخِّصَ له، ولو صحّ التماهي بين "الله" والوجود، لنتج عندنا "الوجود موجود"، وهذا تحصيل للحاصل
قد يقال: إنه ليس بالإمكان تصورُ ماهيةَ "الله"، حيث لا ماهيةَ وراءَ وجوده، وهو المقصود بقولهم: واجب الوجود ماهيته إنّيّتُه، فماهية "الله" لا يراد بها ما يتحدد بالجنس والفصل، بل المقصودُ بها ما يتحقق به الشيء، وهو المقصود بـ الماهية بالمعنى الأعم.

وهذا القول إنما نشأ لتعزيز صحة القول بمبدأ "واجب الوجود"، إذ لا دليلَ على صحةِ وجودِ مفاهيمَ تكون ماهيّتُها إنّيّتَها سوى مفهومِ "الله". فلا يثبتُ القولُ بـ "واجب الوجود" قبل تحقيقِ القول بمسألة صحة وجود ماهيةٍ هي بحدّ ذاتها وجود، لأن ذاتَ مفهومِ الماهية لا ينطوي على وجود ولا على عدم، ولهذا فالقولُ إن هناك ماهيةً هي وجود؛ محضُ تحكُّم.

No comments:

Post a Comment