Saturday, June 27, 2020

الإله، بين الإيمان القلبي والاستدلال العقلي

في هذا المقال أطرح مفهومَ الإيمانِ القلبي وعلاقتَه بالاستدلالِ العقلي من حيث كونُهما أدلةً لوجود إله. فلم يدّخرْ فلاسفةُ الدين وعلماءُ الكلام واللاهوت جُهداً في صياغةِ أدلةٍ عقلية تثبتُ وجودَ إله وجاء مَن بعدهم مِن علماء الدين إما متبنّياً لِما قيل مِن قبله، أو مُطوِّراً لهذه الأدلة. إلا أنّ الاعتمادَ على البراهينِ العقليةِ لا يخلو من إشكالين: الأول أنّ أيّ برهانٍ عقلي لا يدلُّ بذاته على إله الأديان، بل لا بدَّ من اجتماعِ الأدلة العقلية كلِّها لتدلَّ على الإلهِ ذي الصفات والذي نجده في الأديان (أهورا مزدا، يهوه، الله..). الثاني أن هذه البراهينَ العقليةَ لا يخلو كلُّ واحد منها مِن ثغراتٍ منطقية تنزل به من رتبةِ اليقينِ والقطع إلى رتبة الظنِّ والاحتمال. من أجل ذلك ظهرَ بعضُ الفلاسفة ممن استبدلوا الفطرةَ والتسليمَ القلبيَّ بالبراهينِ العقلية، وقد جادلوا بعدم قدرةِ العقلِ النظري على إثباتِ وجود إله. فالإيمانُ الدينيُّ -عند هؤلاء الفلاسفة- المبنيُّ على البراهينِ العقلية قابلٌ للنقض، غيرُ دالٍّ دلالةً قطعيةً على المدلولِ المرادِ إثباتُه، أما الإيمانُ القلبي فلا يقبلُ النقضَ ولا يطرأ عليه الشك. وقد عَرضتُ آراءَهم مُعلِّقاً عليها ببعض الملاحظاتِ التي تلزَمُ من ادّعاءاتِهم وهم: إيمانويل كانت، سورين كيركجارد، ابن عربي، سبينوزا، والمفكر المعاصر عبدالله جوادي آملي.

-


اجتهدَ فلاسفةُ الدين في إبداع وتطوير الأدلة العقلية على وجود الله، رغبةً في إقناع غير المؤمنين بقضية وجود الله  بكونها قضيةً حتميةً وأن الإيمانَ بها حتمي، أي أنه -في رأيهم- ليس لأحد أن يختارَ أن يؤمنَ بالله أو لا يؤمن، حيث إن الاعتقادَ بوجود الله بدهيٌّ، وإن لم يكن بدهياً، فالأدلةُ النظرية فيه قطعيةُ الدلالة. وفي هذا خلطٌ بين أمرين: الأول الخلط بين التصديق المنطقي والتصديق الإيماني (القلبي). والثاني المماهاة بين "الله" من جهة، و "السبب الأول" من جهة أخرى. ففيما يتعلق بالتصديق المنطقي والتصديق الإيماني، فإن التصديقَ المنطقي يتمثلُ القضايا التحليلية ِالتي يُحمل فيها المحمول على الموضوع لا من باب إضافة حُكم جديد للموضوع، وإنما يقع التصديقُ بنسبة الحُكم بين الموضوع والمحمول بمجرّدِ تصور الموضوع، ومثال هذا يكون في قضية "المثلث شكلٌ هندسي ذو ثلاثة أضلاع".


السبب في البحث في أنواع القضايا المنطقيةِ هو أن نتوصّلَ إلى تصنيفِ قضية "الله موجود" أو "هناك إله" تحت أي صنف من القضايا المنطقية أو اللغوية، فيكون السؤال هل قضية "الله موجود" قضيةٌ تحليلية أم تركيبية؟ وهل هي قضية بدهيةٌ أم نظرية اكتسابية؟ فإن كانت اكتسابيةً فلا بد أن ندركَ النسبةَ بين طرفيها، وقبل إدراكِ النسبة لا بد من تصوّرِ المفاهيمِ الجزئية التي تتكون منها هذه القضية، من هنا يبدأ البحثُ في مفهوم "الله"، ومفهوم "الوجود"، ولا بد من تصورِهما تصوّراً تاماً صحيحاً حتى تصحَّ نسبة أحدِهما إلى الآخر، فلا يصح أن ننسبَ مفهوماً مجهولَ الماهيةِ إلى مفهومٍ مجهول آخر! والقولُ إن للإله ماهيةً يؤدي إلى لوازمَ ممتنعةٍ ناقشتُها في مقال سابق، وكذلك القول باستحالة الماهية على الله يؤدي أيضاً إلى لوازمَ مستحيلةٍ على مباني مَن يؤمن بوجوده إيماناً يستند على قواعدَ عقليةٍ.


أما الأمر الثاني الذي يخلط فيه أصحابُ الأدلةِ العقلية على وجود إله هو مماهاةُ مفهوم "الله" مع مبدأ "السبب الأول"، أو أيِّ علة وُجد الكونُ بسببها. ينطلق المؤمنُ في إثباته وجودَ الله مِن كونِ العالَم محتاجاً إلى مُحدِث، مباشرةً إلى إثباتِ إله الأديان (الله، يهوه، أهورا مزدا..). إلا أنه لا يصح -إذا رُمنا بحثاً علمياً مُحقَّقاً- أن نساويَ بين مفهومِ إله الأديان وسببِ خلق الكون، فإلهُ الأديان قضية معرفية، أي أن جزءاً من معرفته ينبني على معرفةِ صفاتِه وأفعالِه، أما علةُ وجود الكون فقضيةٌ وجودية.


يتبين من هنا أنّ السعيَ العقليَّ وراء إثبات إله -فضلاً عن "الله"- سعياً غيرُ مثمر، فلا يخلو أيُّ دليلٍ عقلي من فجواتٍ منطقيةٍ تجعله غيرَ صالحٍ للاستدلال لورود الاحتمال عليه. وقد فَطِنَ عددٌ من الفلاسفة لهذه الحقيقة، فلم يعوّلوا على البراهين العقلية، واستبدلوا أدلةَ الفطرةِ والأخلاق والتسليم القلبي مكانَ البراهين العقلية. العقلُ النظري عند إيمانويل كانْت غيرُ قادرٍ على إدراك حقائق الأشياء، وغيرُ قادر على إدراك العالم الموازي لعالم الظواهر، وهو "عالم الشيء في ذاته". فالعقلُ النظري البشري غير مبرمَج على الدخول لهذا العالم، فإذا حاول البرهنةَ العقلية على ما يوجد في هذا العالم؛ فسيكون بحثُه بلا معنى. إنّ إثباتَ وجودِ هذا العالم الموازي الكانتي يحتاج أدلة أيضاً، إلا أنني لستُ هنا في صددِ مناقشة كانْت في أصل وجود عالم الشيء في ذاته. ما أريد قوله هو أن كانْت وضعَ مفهوم "الله" في هذا العالم. بعبارة أخرى لن يستطيعَ العقل أن يصِلَ إلى الله عن طريق البراهين العقلية، ومهما حاولَ العقلُ أن يَصيغَ الاستدلالاتِ العقليةَ لإثباتِ وجود الله فلن يصلَ لغاية، وفي هذا يقول كانت: "لقد وجدتُ من الضروري أنْ أنكرَ المعرفةَ حتى أفسحَ مجالاً للإيمان". ولهذا اجتهدَ كانت في تشكيلِ مذهبٍ أخلاقي يتناسب مع ادعائه بضرورة وجود الله، وهذه الضرورةُ لا تنبع من العقل، وإنما من الضمير الأخلاقي.


نجد مثل هذا الفهم للدين الذي يعتمد اعتماداً كاملاً على الإيمان القلبي دونَ البرهان العقلي عند سورين كيركجارد. يذكر كيركجارد أن الإيمانَ الدينيَّ غيرُ منسجمٍ مع الاستدلال العقلي، وأن المؤمنَ يجب ألا يسعى للبرهنة العقلية على صحةِ إيمانه، فالعقل عنده لا يزوّدُ الإنسانَ بمعارفَ يقينيةٍ، والسببُ أن جميعَ البراهين العقلية تَقبل أن تُدحَضَ بحججٍ عقلية أخرى، وحتى لو لم توجدْ حجةٌ عقلية تقوّضُ أساسَ الإيمان العقلي؛ فإنه -أي الأيمان العقلي- يبقى قابلاً للدحض، وفي هذا السياق يقول: "ولو رحتُ أخوض في الأدلة فإنني سأضطرّ للبقاء في حالةٍ قلقةٍ خوفاً من أن يطرأ أمرٌ مذهل للغاية ينسف أساسَ برهاني".


 يؤكد منهج كيركجارد أن الاستدلالَ العقليَّ المحضَ لا يؤدي بالضرورةِ إلى الإيمان بإله الأديان، وإن كان قد يقود إلى التسليم الاحتماليِّ بوجود بداية وسبب لوجود الكون، ثم إلى احتمالٍ أضعفَ لكون هذا السبب عاقلاً، ثم احتمالٍ أضعف لكون هذا السبب العاقل هو ما يتصوّره البشر من مفهوم "إله"، ثم يستلزم ذلك أن يتم َّإثباتُ صحةِ أنه يتواصل مع البشر عبر البشر أنفسهم (الأنبياء). والإشكال في هذا السردِ الدينيّ أنه يستخلص أدلةَ تحقُّقِه من نفسه. بعبارة أخرى، إن الأدلةَ العقليةَ التي نجدها في علم الكلام والفلسفة الإسلامية واللاهوت المسيحي واليهودي؛ ليست إلا محاولاتٍ لإيجاد تعليلٍ عقلي للعقائدِ التي يؤمن بها المتديّنُ مسبقاً، لا أنّ هذه القواعدَ العقلية تقودُ بالضرورة إلى التصديق المنطقي بإله، أو بالأنبياء والأديان التي جاؤوا بها. لهذا سار كيركجارد على أن الإيمانَ الدينيَّ محلُّه القلبُ لا العقل، ولا يستطيع العقل مُمَثلاً بالبراهين العقلية أن يخدمَ القضايا الدينية.


 يتقاطع منهجُ كيركجارد الديني مع فكر ابن عربي من حيث كون الإيمانِ القلبي أعمقَ وأقوى من الإيمان المبنيّ على الاستدلال العقلي، فالأدلةُ العقلية قابلةٌ للنقض، وتتفاوت البراهينُ من حيث القوةُ الضعف ووضوحُ الدلالة، أي أنه لا يمكن التوصلُ إلى إله الأديان ذي الصفات إلا بالاعتماد على دليل عقلي واحد، فبرهانُ الإمكان مثلا لا يثبتُ وجود إله الأديان، وبرهان النظم دلالتُه على وجود إلهٍ دلالةٌ ظنيةٌ لا قطعية، وبرهانُ الحدوث مبنيٌّ على امتناعِ التسلسل، وامتناعُ التسلسل مبنيٌّ على برهان التطبيق والذي لا يخلو من إشكالات ناقشتُها سابقاً. من أجل ذلك كان الإيمانُ الدينيُّ المبني على البراهين العقلية قابلاً للنقض، غيرَ دالٍّ دلالةً قطعيةً على المدلولِ المراد إثباتُه، أما الإيمان القلبي فلا يقبلُ النقض -عند كيركجارد وابن عربي- ولا يطرأ عليه الشك.


يقول ابن عربي: الإيمانُ الذي يخالط بشاشةَ القلوب لا يُتصوّر في صاحبه شك، لأن الشكَّ لا يجد محلّاً يعمره، فإنّ محلَّه الدليل. ويقول: السليمُ العقل مَن يترك ما أعطاه نظرُه في الله ونظرُ غيرِه مِن أصحاب المقالاتِ بالنظر الفكري، ويَرجع إلى ما قالته الأنبياءُ وما نطقَ به القرآنُ فيعتقده.

الإشكالُ في هذا المنهج الفكري في تعليلِ أساس الدين أن الإيمانَ يصبح ذاتيّاً لا حقيقةً موضوعية، إذ مرجِعُه إلى القلب لا الدليل، ولا يكون الاعتقادُ بإله حجةً إلا على مَن خاضَ هذه "التجربة الدينية" مع المقدس، فإنْ لم تحصلْ له هذه التجربةُ الروحية، لم يكن مُلزَماً بالإيمان. ثم إن التعويلَ على النصِّ المقدس أو كلام الأنبياء في تشكيل الإيمان لا يصحّ، إذ كلاهما مرهونٌ بموافقته قواعدَ العقل، فإنْ وافقَ العقل؛ فليس للإيمان القلبي حينئذٍ قيمةٌ، إذ براهينُ العقلِ السليمةُ مُلزِمة، وليست ذاتيةً. إلا أننا نقع في إشكالٍ آخرَ وهو أنه إذا كان العقلُ غيرَ قادرٍ على التوصُّلِ لإثبات إله وبالتالي إثبات أحقّيّةِ الأديان، وفي نفس الوقت لا يكون الإيمانُ القلبي حجةً إلا على من حصلَتْ له هذه التجربةُ الدينية، فلا يكونُ للدين ولا للإله حجةٌ مُلزِمةٌ للاعتقاد بهما!


عبدالله جوادي آملي من المفكرين الذين ذكروا ما يشبه هذه الفكرة. يقول في كتابه "تبيين براهين اثبات خدا "بسياري از کسانى که به گمان خود از شناخت علمى و برهانى نسبت به مبادى دينى برخوردار هستند، فاقد ايمان دينى بوده و رفتار مشرکانه و الحادى دارند، چنان که بسيارى از مؤمنان نيز نسبت به آنچه به آن ايمان دارند، توان اقامه برهان و استدلال را ندارند". يقول: كثيرٌ من المفكرين والعلماء يمتلكون أدلةً لتحقيق المباني الدينية، إلا أنهم غيرُ مؤمنين، ولا يتصرفون في أفعالهم وفقَ اعتقادهم بهذه الأدلة، وفي نفس الوقت هناك كثير من المؤمنين (المنتسبين للأديان) ليس باستطاعتهم إقامةُ البرهان العقلي على إيمانهم". يشير جوادي آملي هنا إلى أنه لا ملازمةَ منطقية بين الدليلِ العقلي والإيمان، فقد يملك غيرُ مؤمن بوجود الإله كلَّ البراهينِ على وجوده، ولا يقوده هذا إلى الإيمان به. والعكس صحيح، فقد يوجد مؤمنٌ موقِنٌ بوجود الله ولا يملك دليلاً عقلياً على وجوده. وهذا ما ذكره إليه الفلاسفة المشار إليهم سابقاً من كون البراهينِ العقلية غيرَ قادرةٍ على التوصُّلِ إلى إثباتِ وجود أو معرفة الله، إلا أنّ جوادي آملي لم يذكرْ عدمَ إمكانِ العقل النظري على الاستدلالِ على وجود الله، وهو نفسه افتتحَ كتابه بمقدمةٍ منطقية ليبنيَ أدلةَ وجود ِالله عليها، يقول: براي رسيدن به مطلوب، برهان اگر به صورت قياس اقترانى تنظيم شده باشد ، لازم است". يشير إلى ضرورةِ تشكيلِ برهان عقلي للوصول إلى المطلوب في المقام، وهو وجودُ الله.


ما قاله جوادي آملي أشارَ إليه سبينوزا في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يقول سبينوزا: لا توجد أيّة صلةِ قرابةٍ بين الإيمانِ واللاهوت من ناحية، والفلسفةِ من ناحية أخرى (...) فغايةُ الفلسفةِ الحقُّ وحده، وغايةُ الإيمانِ هي الطاعةُ والتقوى". فمضمونُ الكلامِ أن الإيمانَ الديني عند سبينوزا لا يتعلق بالحق، وليس الحق غايةَ الإيمان، فالإيمان يتحققُ بطاعة موضوع الإيمان، وهو الإله، وأكملُ المؤمنينَ إيماناً ليس من يَنشدُ الحقَّ، وإنما مَن يمتثلُ للأوامر.


Sunday, June 14, 2020

اللغة والملَكة اللغوية

في هذا المقال أناقش مفهومَ اللغة والملكةِ اللغوية، من حيث كون اللغةِ التي يكتسبها الإنسانُ ثم يتحدث بها ترجع في أصلها إلى ملَكةٍ عقلية أطلقتُ عليها مصطلحَ "الملكة اللغوية". يولد الإنسان مُزوَّداً بهذه الملكة اللغوية، أي أنه لا يكتسبها بعد وعيه كما يكتسبُ أيَّ مهارة أخرى. ثم حددتُ الفرقَ بين مفهومي "الملكة اللغوية" و"اللغة"، من حيث كون الملكةِ اللغوية مفهوماً، واللغةِ المكتسَبةِ مصداقاً. ثم أشرتُ إلى دور اللغة المستخدَمةِ وفق قواعدَ متعارفٍ عليها في تشكيلِ المنظومةِ المعرفية للأفراد والمجتمعات، من حيث كون اختلافِ طبيعة الوعي المجتمعي والفردي يرجع إلى طبيعةِ اللغة المستخدمة، فتكون العلاقةُ بين اللغة والفكر هي علاقة السبب والمسَبَّب.

-

قلت في مقال سابق إن علاقةَ اللغة بالفكر لا تقتصر على "التأثير" فقط، بل إن نظامَ الاعتقاد عند الفرد يكاد يكون متأسساً على اللغة، أي أن اللغةَ تعمل على تشكيل المعاني الذهنية في العقل الإنساني، بحيث إذا اختلفتِ اللغةُ تغيّرَ نظام الفكر. والحديث عن اللغة في هذا السياق لا يُقصد به تحديدُ مصداقٍ للُغة بعينها كالعربية أو الإنجليزية، وإنما يقصد باللغة تلك القابلية للإدراك Potentiality التي تنشأ مع الإنسان عند وعيه، ومرجِعُ هذه القابلية إلى ملَكةٍ عقلية بإمكاننا أن نسمّيَها "الملكة اللغوية". والمقصود بهذه الملكة القدرةُ والقابلية العقلية عند الإنسان التي تمكّنه من تعلُّم لغة ما. نستطيع أن نفكر في اللغة في هذا السياق كما فكّر "إيمانويل كانْت" في الزمان والمكان، من حيث إن الزمان والمكان ملكاتٌ عقلية لا موجوداتٌ خارجية مطلقة. ولتوضيح هذه الفكرة، نستعين بتشبيهها بالعين والنظارة الملونة، فلو وضع الإنسانُ على عينيه نظارةً حمراء، فسيرى العالمَ كلَّه أحمر، ولو وُلد الإنسان وعلى عينيه هذه النظارة الحمراء، فلن يرى العالم سوى أحمر اللون، بل لن يكون بمقدوره أصلاً التفكيرُ في أن هذا لونٌ "أحمر"، لأنه بالنسبة له هذا هو ما تبدو عليه الحياة، هذه هي الحياة "الطبيعية".


نعود لفكرة "كانْت"، نستطيع تصوّرَ الزمان والمكان كنظارةٍ لكنها وُضِعَتْ على عقولنا، لا نستطيع أن نرى العالم إلا من خلالهما، بل لا نستطيع أن نتصورَ خُلُوَّ العقل من هذه الملَكات، فهما ليسا موجوداتٍ خارجيةً، وإنما "حدوس قبلية". اللغة كمفهوم تشبه ملَكتَيِ الزمان والمكان، فاللغة بهذا المعنى مَلَكة للحكم كذلك، أي شرطٌ للإدراك المعرفي، نرى العالمَ من خلالها، وهذه الملَكة عقلية، أي أنها لا تُكتسب من خلال التعلم، بل يولد الإنسان مزوَّداً بها، تماماً كملكة الزمان والمكان، لا تنفكّ عن العقل. ولا يختلف الناس بهذه الملكة، إذ هي واحدة عندهم، إنما الاختلاف في مصداق "اللغة"، أي يكون الاختلاف في النظام اللغوي الذي يكتسبه الإنسان من محيطه، وهذا النظام يسمى اللغة، ويختلف عما أطلقنا عليه "الملكة اللغوية"، فإذا كانت "الملَكة اللغوية" هي المفهوم، فإن "اللغة" هي المصداق.


وإن كان يبدو غيرَ دقيقٍ أن نطلقَ على "اللغة" لفظَ مصداق، إذ الألف واللام فيها تدلّان على أنها الجنس، والجنس يشير إلى المفهوم لا المصداق، فالأدقّ أن تكون لغةٌ ما هي مصداقُ "اللغة"، فإذا كانت "اللغة" هي المفهوم، فإن "اللغة العربية" مثلاً مصداق لهذا المفهوم. لكنني أقول إن "اللغة" مصداق، والألف واللام في "اللغة" تكون للعهد الذهني الدالِّ على أيّ لغةٍ يتصورها القارئ في ذهنه. (هذا الاختلاف بحدِّ ذاته يثبت ما نحن في صدد الحديث عنه، فالاختلاف الوظيفيُّ للألف واللام الداخلة على الكلمة، ثم اختلافُ الدلالةِ الناشئ عن اختلافِ الوظيفة؛ دالٌّ على تأثير القواعد اللغوية في عملية تشكيلِ فكرةٍ ما، ولا يقتصر هذا على اللغة العربية فحسب، بل على جميع اللغات في العالم، إذ لا تخلو لغةٌ من ظواهرَ لغويةٍ مميِّزةٍ لها عن غيرها).


يتعلم الإنسان لغةً ما بهذه الملكة، أي من خلال استغلال الملكة اللغوية للعقل. ولتوضيح الفرق بين اللغة والملكة اللغوية، يمكننا أن نشبّهها بأي ملكة ومهارة أخرى، كالشعر مثلاً، فإن الشاعرَ يَنظم قصيدة أو يرتجلُ شِعراً بفضل ملكة عقلية يمكننا أن نطلق عليها "ملكة الشعر"، فالملكة كما قلنا تعني القابلية والقوة Potentiality. الفرق بين ملكة اللغة وملكة الشعر أن الأولى مغروسةٌ في عقل الإنسان لا تنفكّ عنه، والثانية يُتصور أن يولد الإنسانُ دونها، فلا تخصُّ إلا صاحبَها، وهو "الشاعر" في هذا المثال، ويمكن أن نستبدل الموسيقيّ مثلاً بالشاعر من حيث إن المهارةَ تنطلق من مَلكةٍ عقلية.


وقد يصح القولُ كذلك إن اختلافَ الملكة اللغوية عن غيرها من الملكات هو أن المهاراتِ كالشعر والموسيقى يمكن أن تُكتسب دون ملكة أو قابلية مُسبَقة لهذه المهارة، ثم تتكون الملكةُ بعد الدُّربة والممارسة، وهذا لا ينطبق على اللغة كمفهوم، حيث إن الإنسانَ لا يتعلم اللغة، نعم يتعلم لغةً ما (مصداق)، إلا أنه لا يتعلّم مبدأ اللغة (مفهوم)، مثلما أنه لا يتعلم الحكم على الأشياء من خلال النظر إليها في قوالبِ الزمان والمكان، ومثلما أنه لا يتعلم قوانينَ العقلِ الأولية، ومن هنا كان من المفيدِ التفريقُ بين اللغةِ كملكةٍ عقلية، واللغةِ كمصداق.


 إن اللغةَ التي يتعلمها الإنسان، والتي يكتسبها بفضل وجود الملكة اللغوية؛ تكون ذاتَ نظامٍ معين وقواعدَ محددةٍ متفقٍ عليها بين المتحدثين بنفس اللغة. وليس من الغريب أن يتشاركَ المتحدثون باللغة ذاتها عينَ النظامِ الفكري وطريقةِ الاعتقاد وتكوين الأفكار. وليس من المؤكد، إلا أنني أزعم أن تشابهَ اللغةِ هو السببُ في تشابه المنظومة المعرفية للمجتمع الواحد والقبيلة الواحدة وحتى للأسرة الواحدة، فالاختلاف الثقافي بين الأُسَر في المجتمع الواحد يرجع إلى اختلافِ طريقة استعمال اللغة بين أفراد هذه الأسرة، فاللغة هنا سبب لاختلاف أو لوحدة الأعراف الاجتماعية، أي أن العلاقةَ بين تشابه اللغة بين الأفراد الناطقين بها من جهة، والمنظومة الفكرية والاجتماعية من جهة أخرى؛ هي علاقةُ السبب والمسبَّب، بعبارة أخرى، إن تشابهَ اللغة هو السبب في اجتماع الأفراد تحت مظلةٍ اجتماعية وفكرية واحدة، من حيث كون اللغةِ المتخاطَبِ بها مَنشأً للأفكار. نجد هذا ظاهراً في ميل الإنسان إلى مخالطة من يتحدث بنفس لغته، وذلك لسهولة التواصل الفعّال بينهم، وليست فعاليةُ التواصل بسبب اللغة فحسب، بل لأن النظامَ الفكريَّ المصاحبَ لهذه اللغة متشابهٌ عند المتحدثين بنفس اللغة. ويكثر الجدل حول مُدخليةِ اللغةِ في التكوين الفكري للفرد في سياق البحث في موضوع "هوية" الفرد والمجتمع، وما يدخل في تكوين هذه الهوية وما لا يدخل، إلا أن هذا الجدلَ خارج نطاق البحث هنا.


إن الملكةَ اللغوية -والتي بدأنا الحديث عنها- هي ما تمكّن الإنسانَ من اكتسابِ لغات إضافة للغته، فإذا أخذنا بعينِ الاعتبار اختلافَ الأنظمةِ الدلالية والنحوية وقواعدَ بنيةِ الكلمة ثم الجملة في اللغات، فإن إدراكَ هذا يرجع إلى الملكة اللغوية التي لولاها لكان الإنسانُ ينطق بأصواتٍ يكررها دون إدراك لما تشير إليه، فغير مُستبعَدٍ في هذه الحالة أن يتفوّقَ في تركيب الجملة تركيباً صحيحاً، إلا أنه لا يكون قادراً على إنشاء جملةٍ صحيحةِ المبنى وذات دلالة مفيدة، وأعني بـ "صحيحة" هنا أي أنها موافقةٌ للقواعدِ التي اتفقَ عليها المتحدثون بهذه اللغة، وليس المقصودُ الصحةَ الموضوعية، أي مطابقةَ القضيةِ للواقع الخارجي، فلا ينطبق هذا على اللغة كمصداق. قد يقال إن القدرةَ على إنشاء جمل صحيحة ومفيدة يرجع إلى العقل لا الملكة اللغوية. وفي هذا شيء من الصحة، إلا أن مفهومَ "العقل" في هذا السياق مفهومٌ عام، غير متعلِّقٍ بالحديث عن اللغة، ويمكننا القول إن النظرَ إلى العقل يختلف باختلاف حيثيّةِ النظر، أي أن العقلَ من حيث هو قادرٌ على اكتساب اللغة يُسمى "ملكة لغوية".


Tuesday, June 9, 2020

عكس الحمل والهليّة البسيطة والمركبة

في هذا المقال أناقش أشهرَ الردود على الإشكال الوارد على القضايا التي يكون فيها الوجود محمولاً. الرد الأول هو القول بعكس الحمل، والرد الثاني هو في التفريق بين الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة. وقسّمتُ المقال -لطولِه- لثلاثةِ أجزاء مرقّمة للتسهيل. في الجزء الأول وضّحتُ الإشكالَ المرادَ حلّه وهو كون الوجود محمولاً في القضايا أو الجُمَل، والإشكالَ في القول إن "الله موجود". وفي القسم الثاني بيَّنتُ عدمَ صحة حمل الوجود على الماهية في قضية "الله موجود"، وعدمَ صحة ‫القول إن "ماهيّةَ الله هي وجود" وما ينبني عليه من القول بمبدأ "واجب الوجود". وخَلَصتُ إلى نتيجتين: الأولى أن ‫القول بأن وجود الله هو ماهيته (أو جزء من ماهيته) غير دقيق، ولا يتوافق وما تحمله دلالةُ مفهومِ "الماهية" من معنى، ومن حيث اختلاف معنى الماهية عن الوجود، والثانيةِ أن القول بأن وجود الله منفك عن الماهية يلغي مبدأ واجب الوجود.‬ وفي القسم الثالث ذكرت حلّ إشكالِ حملِ الوجود على الماهية، وهو القولُ بعكس الحمل، والتفريقُ بين الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة، وناقشتُ كِلا الرّديْن وبيّنتُ الإشكالَ فيهما.


١

ينتهي البحثُ في مسألة وجود الإله إلى نتيجتين، إما إلى قضية "الله موجود"، أو "الله غير موجود". إلا أنّ الإشكالَ في قضية "الله موجود" (وما يقال في القضية المُثبَتة يقال في المنفية) هو كون الوجودِ محمولاً فيها. بعبارة أخرى، جاء "الوجود" في هذه القضية كـ "صفة" للموصوف (الماهية) وهو "الله". لكن مجيءَ الوجودِ محمولاً في في هذه القضية لا معنى له، إذ إنه لا يُضيف أيَّ معنىً زائدٍ على الماهية في القضية (والماهية هنا هي الله)، فاستخدامُ لفظ "الله" كموضوعٍ للقضية يجعل من إثباتِ المحمولِ (الوجود) تحصيلاً للحاصل. مثال للتبسيط: لو قلت "السيارة حمراء"، فإنني أكون قد حملتُ الحُمرة على السيارة، أي وصفتُ السيارة بالحُمرة، ومجردُ وصفي لها يتضمّنُ وجودَ سيارةٍ في الواقع الخارجي تم إدراكُها عن طريق الحس ثم وصْفُها بهذا اللون، أي أنه يجب أن تكون السيارةُ التي أتحدث عنها وأصفها موجودةً أولاً حتى يصحَّ أن أطلقَ عليها أيَّ وصف.

لكن إذا كانت السيارةُ أمامي وقلت: السيارة موجودة، فإن كونَ "الوجود" صفة للسيارة لن يضيفَ أي معنىً زائد على الماهية من حيث تحققها في الخارج، فالماهية المتحققة في الخارج تستلزم "الوجود"، فتصبح قضية "السيارة موجودة" تحصيلاً للحاصل، لأنه بمجرد قولي "سيارة" سيتضمن هذا أنها موجودة.


‏زيادةُ توضيح: عندما أقول: محمد شجاع، فإن "شجاع" صفةٌ زائدةٌ على الماهية (محمد)، وهذه الجملةُ تدلُّ ضِمناً على وجودِ الموضوع (محمد) الذي نِصِفه بالشجاعة، ولا يصح السؤال: فهل محمد موجود؟ لأنّ وصفيَ له بالشجاعة يستلزمُ وجودَه أوّلاً حتى يصحَّ وصفُه. ‏أما إذا قلت: محمد موجود، فإن مجيءَ "الوجود" هنا محمولاً يجعل القضيةَ غيرَ ذات معنى، إذ استخدامُ (محمد) كموضوع (مبتدأ / مسند إليه) يفترِضُ وجودَه مسبقاً، فلما أُضيفَ له الوجود كان هذا تحصيلاً للحاصل، وقِس على ذلك قضيةَ "الله موجود". ولهذا فإنّ ‏مجيءَ الوجودِ في موضع محمولِ القضيةِ يجعلها بلا معنى.


نعود إلى قضية "الله موجود". هذه القضية تأتي كنتيجة لبراهينَ تثبت "وجود" الله وجوداً فعلياً متحققاً في الخارج. لكنّ القولَ إن الله "موجود" يوقعنا في الإشكال الذي تحدثنا عنه وهو كون الوجود "صفة" للماهية أو "محمولاً" على موضوع القضية وهو "الله". ووصفُ الموصوف بصفة ما يستلزم وجودَ هذا الموصوف أولاً حتى يصحَّ وصفه، ولا معنى لوصفه بأنه "موجود"، إذ مجرد قول "الله" يعني أنه يجب أن يكون موجوداً، وهذا مصادرة على المطلوب، لأننا في مقام إثبات صحة وجود كائن بهذه الصفات، والذي يُطلَق عليه "الله". وهذا في جميعِ القضايا التي يكون فيها الوجودُ محمولاً. ‏ولا يقتصرُ هذا على القضايا الموجبة، بل حتى السالبة (المنفية): فجملة "الله غير موجود" لا معنى كذلك، ومساويةٌ في (عدم) الدلالة لجملة "الله موجود" إذ في كليهما جاء الوجودُ محمولاً (خبراً / مُسنَداً)، فكما أنّ قضيةَ "الله موجود" لا معنى لها؛ قضية "الله غير موجود" لا معنى لها كذلك، إذ إن ‏مآلَ القضيّةِ الأولى تحصيلُ الحاصل، والثانية الجمعُ بين النقيضين.


‏يصحُّ فقط وصفُ الإله بالصفات التي تضيف معنى زائداً على الماهية، بالقضايا الموجبة والسالبة مثل: الله رحيم، الله غير رحيم، الله ظالم، الله غير ظالم. ‏إلا أن الإشكالَ في هذه القضايا هو افتراضُها المسبق "وجودَ إله" الذي هو محلُّ النزاع، وبالتالي نقع في المصادرةِ على المطلوب.



٢

حمل الوجود على الماهية في قضية "الله موجود"، أو ‫القول إن ماهيّةَ الله هي وجود؛ قولٌ غير دقيق لعدة وجوه:‬

‫١- الوجود مقابلٌ للماهية وليس جزءاً منها‬: أي أنهما مفهومان متباينان فلا يكون أحدُهما جزءاً من الآخر، وهذا على المستوى الذهني، أما في الواقع الخارجي فإنني عندما أشير إلى س من الموجودات، فإنني أشير إلى وجوده وماهيّته، فالماهية والوجود لا ينفكّان في الواقع الخارجي. أما من حيث المفهوم، فالماهية لا يَلزم من تصوّرِها وجوبُ الوجود ولا وجوب العدم‬، أي إن مجردَ تصوُّرِ مفهوم / ماهية الإنسان، فإننا نتصور الصفاتِ المقوِّمةَ لهذا المفهوم وهي الحياة والعقل، دون دخول مفهوم "الوجود" في تصور الماهية، وهذا معنى القول "الماهية من حيث هي ليست إلا هي".


‫٢- القول إن لله ماهيةً يعني أنه قابل للتعريف، وكونه قابلاً للتعريف يؤدي إلى الدور المنطقي‬، ‫لأن التعريفَ -بالحدّ أو الرسم- يكون بالجنس والفصل والخاصة، ودلالات هذه المفاهيم لا بد أن تكون "موجودة" حتى يصحُّ حملُها (نسبتُها) على الماهية، فلو كانت ماهيةُ الله هي وجوده، للزم من هذا القول: إن وجودَ الله هو وجوده، وهذا لا معنى له. ‫لهذا يجب أن تكونَ ماهيةُ الله أمراً غيرَ الوجود. ولكن إذا كانت ماهيتُه لا تنطوي على وجود، فهذا يعني أن وجودَه ليس واجباً، ومبدأ "واجب الوجود" هو ما يتمسك به المؤمنون بوجود الله لإثبات صحة ووجوب الإيمان به، إذ إنه لو لم يكن واجباً لكان ممكناً أو مستحيل الوجود، وكلاهما لا يتوافقان ووصفَ الألوهية. فالحاصل أن وصفَ الإله بوجوب الوجود لا يصح، ووصفه بإمكان الوجود ينزع عنه صفةَ الألوهية.

‫‫لا يصحّ أن يقال: "بما أن وجود الله واجب، إذن فماهيّته هي وجوده" فهذه مصادرة على المطلوب، ‫لأن ثبوت مبدأ الواجب مبني على جوابِ سؤال: هل يصح أن تكون الماهية وجوداً؟‬


‫الخلاصة:‬

‫القول إن وجود الله هو ماهيته (أو جزء من ماهيته) غير دقيق.‬

‫والقول إن وجود الله منفك عن الماهية يلغي مبدأ واجب الوجود.‬



٣

‫حلُّ إشكالِ حملِ الوجود على الماهية يكون بأحد القولين:

١- عكس الحمل.

٢- الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة.


قلنا إن الحملَ هو حملُ المحمولِ على الموضوع، أو وصفُ الموصوف بالصفة، ففي مثال "السيارة حمراء" نكون قد حمَلنا "الحُمرة" على السيارة، فـ "الحُمرة" محمول، والسيارة موضوع. جاء مبدأ "عكس الحمل" كمحاولةٍ لحلّ إشكال القضايا / الجُمَل التي يكون فيها الوجود محمولاً، فبدل القول إن "الإنسان موجود"، والحيوان موجود، يقال: الموجود إنسان، والموجود حيوان، فنكون قد عكَسنا الحمل / عكسنا الوصف.

‫لكن هذا المبدأ في الواقع لا يحل إشكال وجود الإله، لأنّ حَمْلَ الماهية على الوجود مبنيٌّ على تحقُّقِ الموجود في الخارج أولاً. ‫فلأجل أن نقول: الموجود إنسان، يجب أن يتحقق وجود عينيٌّ مشارٌ إليه، فيصح حينئذ مبدأ "عكس الحمل". ‫فإذا عكسنا حمل "الوجود" على "ماهية" الله، فقلنا: الموجود الله، بدل القول: الله موجود، فهذا يعني أن وجود الله قد ثبتَ بالحس، وصحّت الإشارة إليه، كما صحّتِ الإشارةُ إلى الإنسان.‬ ‫وهذا القول ليس بدقيق، فأصلُ النزاع هو في قضية وجود الإله، بمعنى هل هناك إله؟ أو هل الموجود الله؟ أي أنّ النزاعَ أصلاً في عكس الحمل.

-

الحل الآخر لإشكال حمل الوجود على الماهية هو في التفريقِ بين الهَلِيّة البسيطة والهَلِيّة المركبة، ومعنى الهَلِيّة البسيطة: ثبوتُ الشيء، ومعنى الهَلِيّة المركبة: ثبوت شيء لشيء. بعبارة أوضح: عندما أقول: السيارة موجودة، فإنني لا أقصد وصف السيارة بالوجود، لكنني أقصد مجرّدَ ثبوتِها في الواقع المحسوس، فكأنني أقول: هناك سيارة، فالقصد هو "مطلق الثبوت"، وهو الهَلِيّة البسيطة. وعندما أقول "السيارة حمراء" فإنني أكون قد أثبَتُّ وصفَ الحُمرة للسيارة، أي أثبَتُّ شيئاً لشيء، وهو الهَلِيّة المُركّبة. ولهذا ف‏إن فالقضايا التي يكون فيها الوجودُ محمولاً مثل "الله موجود" هي من باب الهلية البسيطة لا المركبة، فالقول إن "الله موجود" يُراد منه مطلق الثبوت، ولا يعني ثبوث الوجود لله.


لكنّ القولَ إن الهلّيةَ البسيطةَ تعني مطلقَ الثبوت غيرُ متصوَّر كذلك، إذ لا يعني "الثبوتُ" شيئاً آخر غيرَ "الوجود". ‏وحينها تكون قضيةُ "الله موجود" مساويةً لقضيةِ "الله ثابت"، ولا معنى للقول هنا: إن حملَ "الثبوت" على "الله" يعني مطلق الثبوت، ولا يعني ثبوت الثبوت لله! ‏قياساً على القولِ في قضيةِ "الله موجود" حيث يقال: "يرادُ هنا مطلقُ الثبوت، وليس ثبوتَ الوجود لله". ‏فإذا استبدلنا "الوجود" مكان "الثبوت" بانَ أنّ الرد بالهلّية البسيطة لا يَحُلُّ إشكالَ وضعِ الوجودِ موضعَ المحمول، حيث إن "الثبوتَ" و "الوجودَ" يحملان نفس الدلالةِ في هذا السياق.


Sunday, June 7, 2020

في الحاجة إلى الدين

تتردد الكثيرُ من الحُجج في سياق تعليل وجود الدين في حياة الإنسان. وأول تلك التعليلاتِ هو القولُ إن الدينَ "ضرورةٌ بشرية" و "حاجة إنسانية"، فيستحيل أن يعيشَ الإنسان بلا دين. إلا أن هذا القول مبهم، وغيرُ دالٍّ على معنى نستطيع من خلاله استخلاصَ وظيفةِ الدين أو مدى "ضرورته". وذلك أن مفهومَ "الضرورة" يتضمن عدة معان، كالضرورة العقلية بمعنى استحالة الانفكاك، أو الضرورة بمعنى الاقترانِ العادي -لا العقلي- في الوجود، أو الضرورة بمعنى كونه عنصراً داخلاً في التكوين الإنساني، لأجل ذلك وجبتْ إعادةُ البحث في القول إن "الدين ضرورة" وحاجة إنسانية.

قد يُقصد بهذا الادعاءِ أن الدينَ لم يزل عنصراً حاضراً في حياة البشرية منذ نشأتها. فعند دراسة الحضارات القديمة ومجتمعات ما قبل التاريخ، ينتهي الباحثُ إلى التسليم بوجود حدٍّ أدنى وشكل من أشكال الدين عند هذه الحضارات. ومن المؤكد أن المظاهرَ الدينية مختلفةٌ باختلاف الحضارات أو التجمعات البشرية أو الأفراد، وأنّ مصداقَ الدين غيرُ مشترك بينهم، إلا أن البحثَ في تجليات الدين خارج إطار الكلام هنا. لكنّ المشتركَ بين الأديان -القديمة منها والحديثة- هو محاولةُ خلقِ علاقة بين الوجود البشري من جهة، والقوى الكامنة وراء الظواهر الطبيعية من جهة أخرى، حيث تتجلى هذه العلاقةُ عبر الطقوس والقرابين والتراتيل. فالتواصل بين الإنسان والقوى الميتافيزيقية هو ما مقصود القول بـ "الحد الأدنى" للدين. هذا الحد الأدنى كان حاضراً في جميع الحضارات الإنسانية، لكن هل هذا يعني التلازمَ الضروري بين مفهوم "الدين" والإنسان؟

القول عن ظاهرة ما إنها ضرورةٌ بشرية يجب أن يُبنى على قواعدَ عقليةٍ، وتتجلى من خلال "ضرورة" هذه القواعد العقليةِ الظاهرةُ التي نحن بصدد البحث فيها. إلا أن الاستدلالَ بالعكس حصل في البرهنة على "ضرورة" الدين، حيث يستدل المدافعون عن هذا الرأي بالواقع، ثم يبنون من خلال الواقع قواعدَ عقليةً تُجعلُ ضروريةً، ثم يعكسونها مرة أخرى على الواقع من باب "ضرورة" وجود هذه الظواهر بناء على هذه القواعد. ولهذا فإن تعليلَ وجود الدين في الحياة الاجتماعية لا يكون سوى محاولةِ "تبرير" عقلي لواقع مُعاش، لا استدلالٍ على الضرورة العقلية لوجود الظاهرة الدينية. فإذا أخذنا مثالَ وجود الدين في الواقع البشري منذ بداية ظهور الإنسان (ونسلم جدلاً بصحة هذا الادعاء أن الدين لازَم البشريةَ منذ ظهورها)، فإن أصحابَ الاستدلالِ العكسي يستنتجون التلازمَ العقلي بين الوجود الإنساني ووجود الدين. إلا أن اقترانَ وجودِ الدين مع الاجتماع البشري لا يعني اللزومَ الضروري أو الارتباطَ العقلي، لا يعني سوى الاقترانِ في الوجود، ولا يمكن استنتاجُ اللزوم الضروري بمجرد هذا الاقتران في الوجود. والقولُ إن الدينَ ضرورةٌ إنسانية بهذا المعنى يشير إلى أن جوهرَ النوع الإنساني لا يتقوّم إلا بوجود الدين، وليس هذا القول بصحيح، إذ العقلُ لا يفرض هذا.

أو قد يكون المقصودُ بضرورة الدين؛ الضرورةَ التفضيلية، أي أن التفاعلَ الاجتماعي بين البشر من حيث تنظيم العلاقات يقوم بغير دين، إلا أن البشر قد يخطئون في تنظيم العلاقات بينهم ولهذا وجبَ -وجوباً كمالياً لا عقلياً- وجودُ قانون مطلق وهو الدين. وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه فكرة النبوة، إذ الغايةُ منها تنظيمُ حياة الناس عبر إلزامهم بالشرائع التي جاءت وحياً من إله. إلا أن وضْع الشرائع للإنسان لا يُستنتج منه ضرورة وجود الدين، فالقوانين البشرية والشرائع التي يتواطؤ عليها الناس في المجتمع كفيلةٌ بتنظيم حياتهم والعلاقات بينهم. وذلك لا يعني أن الشرائع التي جاء بها الأنبياء شرائعُ فاسدة، بل غاية القول إن الإنسان قادرٌ على وضع تشريعاتٍ وقوانينَ تضبط أفعال الناس في المجتمع وتُحكم سلوكَ الفرد. فمن هذه الجهة كذلك لا يكون الدين "ضرورةً" إنسانية ولا "حاجة" مجتمعية.
ولا يصح أن يقال إن الغاية من النبوة أن يعرف الناسُ الإلهَ، فهذا هو الهدف الأسمى للوجود، ففي هذا مصادرة على المطلوب، إذ الاستدلالُ على وجود خالق يجب أن يُبنى على أساس العقل لا النص الديني، وثبوتُ النبوة فرعُ ثبوتِ وجود إله، فلا معنى إذن للقول إن النبي مرسَلٌ ليُرشد الناس للإيمان بإله فلفظ "نبي" بحد ذاته يتضمن ثبوتَ إله. 

 أو قد يقصد بضرورة الدين الضرورةُ الأخلاقية، أي أن الدين يقوم بدور المرشد الأخلاقي الذي يهذب سلوك الفرد ويضبط أفعاله، فيُنتج مجتمعاً قائماً على أساس الأخلاق. نعم قد يكون للدين دور في تعزيز الأخلاقيات في المجتمع إلا أن هذه الوظيفةَ ليست الجوهرَ الأساس للدين، أو الغايةَ التي نشأت (أو أنزلت) من أجلها الأديان، فليس هدفُ الدين في المقام الأول تعزيزَ الأخلاق في المجتمع. فالأخلاق كمفهوم كلي أعم من الدين. نعم يأتي الدين ويقرر بعض الأخلاق في ثقافة المجتمع وينبذ أخرى، إلا أنه لا يأتي بأخلاق خاصة فيه لا نجدها في ثقافة أخرى أو دين آخر. إن من يعتقد أن الدينَ مرادفٌ للأخلاق، أو حتى من يعتقد أن الأخلاق هي جوهر الدين، يخلط بين ما هو ذاتي وما هو عرَضي (ما هو أصل، وما هو فرع)، أي بين الأمور التي هي بمنزلة المقِّوم لماهية الدين من جهة، ومن جهة أخرى الأمور التي يكتمل بها الدين إلا أنها ليست من جوهره وليست هي ما يميزه. الأخلاق لا تميز ديناً عن غيره من الأديان، وإنما ما يميز ديناً ما هو نظام الاعتقاد ثم الشريعة الدينية. من يرى أن جوهر الدين هو الأخلاق يرى الدينَ مرشداً أخلاقياً منحصراً دورُه في الإصلاح الاجتماعي وقبله الفردي، فإنه إذا كان الدينُ مرادفاً للأخلاق فهذا يعني انتفاءَ الضرورةِ المزعومة فيه، حيث يمكن البحث عن توجيهاتٍ أخلاقية في أنظمة اجتماعية أخرى، لأنه حينها يتساوى مفهوم الدين مع أي فلسفةٍ أخلاقية أخرى كأخلاق الواجب أو النفعية.

أو قد يقصد بالقول إن الدين ضرورةٌ، أي الضرورة على المستوى الفردي. وهذا يظهر في التبريرات التي تُرجع مبدأ التدين إلى الفطرة، بالقول "إن الإنسانَ كائنٌ متدين بالفطرة". وهذا الادعاءُ أكثر غموضاً من القول إن الدين ضرورة إنسانية. فمعنى الفطرة -كالضرورة- مبهمٌ، ويحتمل تأويلاتٍ عدة ترجع في معظمها إلى "الإحساس" الفردي، أي القول إن الإنسان "يشعر" بوجود قوة عظيمة خلقت هذا الكون، ويحس بالحاجة إلى اللجوء إلى إله عبر الدعاء، حتى يسكنَ قلبُه وتطمئنَّ روحه… وهذا كلام خطابي لا يحمل قيمة برهانية ولا عبرة به في مقام الاستدلال العقلي. فلو كان الدين مقتصراً على الحاجة الفردية لصار التخلي عنه في الأمور المجتمعية مسوَّغاً، ولا يقول المتدين بهذا. ثم إن الاقتصارَ على ضرورة الدين في البُعد الذاتي ينافي الطبيعةَ الموضوعية المزعومة للدين، فلو كان الدين حاجة ذاتية وتجربةً فردية؛ لَما صار مُلزِماً للمجتمع ككل، ولاختلف التجلي الديني في الفرد، ولَتعدد بتعدد الأفراد في المجتمع الواحد. ثم إن الدين ينطوي على مبدأ "المطلقية" في القضايا، فالحقيقة في قضية وجود إله -على سبيل المثال واحدةٌ غير متعددة، ومن يخطئ فيها فمصيره العقاب. فلا يصح أن يكون الدين "ضرورة إنسانية" بهذا المعنى.

Friday, June 5, 2020

في اللغة

لا تُختزَلُ وظيفةُ اللغة بكونها مجردَ وسيلةٍ للتواصل بين البشر. نعم، للغة دور فعال في التواصل الاجتماعي، وهذا ظاهر لا يحتاج لبيان، فالإنسان يعتمد اعتماداً شبهَ كلي على اللغة حتى يوصلَ بها المعانيَ المرتسمةَ في ذهنه إلى غيره. إلا أن للغة سلطةً على العقل قد لا نشعر بها لكونها تنمو مع الإنسان منذ بداية وعيه. فالإنسان يتعلم لغته الأمَّ في صغره تعلماً غيرَ مقصود بذاته، أي أنه تعلُّم يحدث بشكل تلقائي، مثلما يتعلم العاداتِ المنزليةَ والأعراف الثقافية التي يراها ويعتاد عليها، هنا تصبح اللغة التي يتعلمها الفرد جزءاً من تكوينه وشخصيته، وقد يكون مبالغةً مع كونه قريباً من الصحة أن نقول إن اللغةَ تصبح سجناً للفكر! فلا يستطيع الإنسانُ أن يكوّن أفكاراً خارج إطار اللغة التي تعلمها، فتصبح اللغة حينئذ مسيطرةً على العقل.

وحتى لا يكون الكلام مرسلاً وعاماً، فإنني أعني باللغة أولًا المفرداتِ التي يستعملها الإنسان للإشارة إلى موجوداتٍ خارجية، أو للتعبير عن أفكار مجردة لا وجودَ خارجياً لها، وهذه هي الأسماء، أو للتعبير عن حركات يقوم بها، وهي الأفعال. ثم إن اللغة -ثانياً- هي طريقةُ ترتيب هذه المكونات الجزئية لإنشاء مركّب أكبر دالّ على معنى، وهو ما يسمى بالجملة أو الكلام (وهناك فروق دقيقة بين هذه المصطلحات، إلا أنني لست في صدد البحث في الفروق الاصطلاحية، إنما أريد المعنى العام لهذه المصطلحات). إلا أنه باختلاف اللغة تختلف طريقةُ ترتيب المفردات في الجملة من حيث مجيء الأسماء قبل الأفعال، أو العكس، أو وجود الروابط وعدمها. وقد يكون هذا الاختلاف في ترتيب المفردات في الجملة مؤثراً على الفكر من جهة إنشاء الأحكام في القضايا المعرفية. ولا يكفي أن توجدَ مفرداتٌ مرتبة لتكوّن جملة، بل يجب أن تكون لهذه النسق اللغوي دلالةٌ على معنى ما، والدلالة على معنى هو بمثابة الشرط الذي يجب تحققه في جميع اللغات حتى يكون التواصلُ الاجتماعي فعالاً. إلا أننا نسأل كيف تؤثر اللغة على الفكر؟ أو كيف يكون للغة دور في إنتاج الأفكار إذا كان الفكرُ أعمَّ من اللغة.

الأفكار الذهنية يُعبّر عنها باستخدام مفردات (أي عبر الكلام)، أو رسوم، أو منحوتات، أو حتى بالموسيقى. إلا أن السؤالَ المتعلقَ بموضوع البحث هو عن دور اللغة في تكوين الأفكار. عندما نقول إن الفكرَ أعمُّ من اللغة، فيستحيل حينئذ أن يكون الخاص مؤثراً في العام، أي يستحيل أن تكون اللغة (المقيَّدة) هي المؤثرة في الفكر (المطلق)، بل يجب أن يحدث العكس، لأن الفكرَ ثابت غير متغير، وأعني بهذا أن المعانيَ الذهنية المرادة من الإنسان ثابتةٌ حتى باختلاف اللغات. فيحدث أحياناً أنني أشعر بمعنى ما في عقلي، أو أفكر بمفهوم ما، إلا أنني لا أجد في لغتي (أي لغتي الذاتية الخاصة بي) مفردةً تساوي المعنى الموجودَ في ذهني وتدل عليه دلالةً تطابقية. وهذا ما يقصد بمحدودية اللغة، وهذه المحدودية ناشئة من مبدأ آخر وهو اعتباطية اللغة، أي أن المفرداتِ التي تدلّ على معانٍ هي أصوات تم اختراعها من مجموعة من الناس واتفقوا عليها لتدلَّ على معنى تواطؤوا عليه، أي أنه لا علاقة عقلية أو لزومية بين اللفظ والمعنى (تنشأ العلاقة اللزومية بين اللفظ والمعنى بعد التواطؤ على دلالة الأول على الثاني، إلا أنه لا علاقة لزومية قبل هذا التواطؤ اللغوي). فإذا قلت "سماء" فإن الذهنَ سوف يتوجه إلى معنى معروف متفق عليه بين المتحدثين بنفس اللغة، لكن لا توجد علاقة منطقية بين لفظ "سماء" والمعنى الذي يشير إليه اللفظ. قد يقال إن لفظ "سماء" مشتق من الفعل "سما" أي "علا"، أو مشتق من المصدر "السمو" أي "العلو". وجواب هذا الإشكال من وجهين: أولاً: هذا الإشكال ناشئ من القول بمبدأ "الاشتقاق" في اللغة العربية، ولا يجري في المفردات غير المشتقة سواء في نفس اللغة أو غيرها، فإذا استبدلنا لفظ "sky" في الإنجليزية، أو "آسمان" في الفارسية بلفظ "سماء"، فلن نواجه هذا الإشكال. ثانياً: حتى مع القولِ بالاشتقاق، فإن العلاقةَ بين دلالة اللفظ المشتق منه (مصدراً كان أو فعلاً) والمعنى المشار إليه تبقى دلالةً اعتباطية.

وهذا يدل على ثبوتِ المعنى في الذهن، والتغير إنما يكون في اللغة المعبِّرة. مثال: إذا كنت أشعر بالسعادة، فإن معنى هذا الشعور واحد في الذهن البشري، إلا أن الاختلافَ حاصلٌ في طريقة التعبير عن هذا الشعور، أي أن الاختلافَ في اللغة. وهذا المثال جارٍ في المفاهيم البسيطة المنعكسة في مفردة واحدة، وفي الجمل المركبة من عدة مفردات كمثل: أشعر بالجوع، الجو بارد، السماء زرقاء...إلخ، فالمحتوى المعنوي لهذه المفردات واحد، إلا أن طريقةَ التعبير عن هذا المعنى تختلف باختلاف اللغة المستعملة للتعبير. وقد يكون التعبير عن المعاني المجردة والعقلية أكثر صعوبة من التعبير عن المعاني المحسوسة.

إذا نظرنا إلى اللغة من هذه الجهة، أي من جهةِ كونها معبِّرةً عن معانٍ ثابتة في الأذهان، فإننا سننتهي إلى المقاربة الاختزالية للغة، والتي تجعل من اللغة مجردَ وسيلةٍ لنقل المعلومات الذهنية عبر أصوات مرتبة، أي عبر الكلام، وهذا سيؤدي أيضاً إلى القول بعدم تفاضل اللغات لكونها جميعها تحقق نفس الغاية وهي التعبير عن المعاني الذهنية (ولست هنا كذلك بصدد مناقشة رأي من يقول بتفاضل اللغات أو عدم تفاضلها).

إن عملَ اللغة لا يقتصر على كونها مجرد وسيلة لإيصال المعاني، بل يمتد لأعمقَ من هذا البُعد. إن اختلافَ تشكيلِ المفردات عبر الاشتقاق، وموقع الكلمة في الجملة، والترتيب النحوي للأسماء والأفعال فيها، ترتبط كلها في الذهن من خلال تأثيرها في كيفية الاعتقاد بقضايا المعرفة. وليس هذا فحسب، بل يمتد أثرها حتى إلى "تشكيل" المنظومة الفكرية والمعرفية للفرد. الإشكال هو أننا لا يمكن أن نتأكد من كون منظومتنا المعرفية مبنيةٌ على أساس لغوي بحت إلا إذا اتجهنا للمقارَبة المقارِنة بين اللغات من حيث قواعد النحو، والاشتقاق، والمجاز في اللغات. الدراسة المقارنة تتيح لنا معرفة تأثير هذه الظواهر اللغوية على تكوين الأفكار، ثم إنشاء البناء المعرفي.