Saturday, June 27, 2020

الإله، بين الإيمان القلبي والاستدلال العقلي

في هذا المقال أطرح مفهومَ الإيمانِ القلبي وعلاقتَه بالاستدلالِ العقلي من حيث كونُهما أدلةً لوجود إله. فلم يدّخرْ فلاسفةُ الدين وعلماءُ الكلام واللاهوت جُهداً في صياغةِ أدلةٍ عقلية تثبتُ وجودَ إله وجاء مَن بعدهم مِن علماء الدين إما متبنّياً لِما قيل مِن قبله، أو مُطوِّراً لهذه الأدلة. إلا أنّ الاعتمادَ على البراهينِ العقليةِ لا يخلو من إشكالين: الأول أنّ أيّ برهانٍ عقلي لا يدلُّ بذاته على إله الأديان، بل لا بدَّ من اجتماعِ الأدلة العقلية كلِّها لتدلَّ على الإلهِ ذي الصفات والذي نجده في الأديان (أهورا مزدا، يهوه، الله..). الثاني أن هذه البراهينَ العقليةَ لا يخلو كلُّ واحد منها مِن ثغراتٍ منطقية تنزل به من رتبةِ اليقينِ والقطع إلى رتبة الظنِّ والاحتمال. من أجل ذلك ظهرَ بعضُ الفلاسفة ممن استبدلوا الفطرةَ والتسليمَ القلبيَّ بالبراهينِ العقلية، وقد جادلوا بعدم قدرةِ العقلِ النظري على إثباتِ وجود إله. فالإيمانُ الدينيُّ -عند هؤلاء الفلاسفة- المبنيُّ على البراهينِ العقلية قابلٌ للنقض، غيرُ دالٍّ دلالةً قطعيةً على المدلولِ المرادِ إثباتُه، أما الإيمانُ القلبي فلا يقبلُ النقضَ ولا يطرأ عليه الشك. وقد عَرضتُ آراءَهم مُعلِّقاً عليها ببعض الملاحظاتِ التي تلزَمُ من ادّعاءاتِهم وهم: إيمانويل كانت، سورين كيركجارد، ابن عربي، سبينوزا، والمفكر المعاصر عبدالله جوادي آملي.

-


اجتهدَ فلاسفةُ الدين في إبداع وتطوير الأدلة العقلية على وجود الله، رغبةً في إقناع غير المؤمنين بقضية وجود الله  بكونها قضيةً حتميةً وأن الإيمانَ بها حتمي، أي أنه -في رأيهم- ليس لأحد أن يختارَ أن يؤمنَ بالله أو لا يؤمن، حيث إن الاعتقادَ بوجود الله بدهيٌّ، وإن لم يكن بدهياً، فالأدلةُ النظرية فيه قطعيةُ الدلالة. وفي هذا خلطٌ بين أمرين: الأول الخلط بين التصديق المنطقي والتصديق الإيماني (القلبي). والثاني المماهاة بين "الله" من جهة، و "السبب الأول" من جهة أخرى. ففيما يتعلق بالتصديق المنطقي والتصديق الإيماني، فإن التصديقَ المنطقي يتمثلُ القضايا التحليلية ِالتي يُحمل فيها المحمول على الموضوع لا من باب إضافة حُكم جديد للموضوع، وإنما يقع التصديقُ بنسبة الحُكم بين الموضوع والمحمول بمجرّدِ تصور الموضوع، ومثال هذا يكون في قضية "المثلث شكلٌ هندسي ذو ثلاثة أضلاع".


السبب في البحث في أنواع القضايا المنطقيةِ هو أن نتوصّلَ إلى تصنيفِ قضية "الله موجود" أو "هناك إله" تحت أي صنف من القضايا المنطقية أو اللغوية، فيكون السؤال هل قضية "الله موجود" قضيةٌ تحليلية أم تركيبية؟ وهل هي قضية بدهيةٌ أم نظرية اكتسابية؟ فإن كانت اكتسابيةً فلا بد أن ندركَ النسبةَ بين طرفيها، وقبل إدراكِ النسبة لا بد من تصوّرِ المفاهيمِ الجزئية التي تتكون منها هذه القضية، من هنا يبدأ البحثُ في مفهوم "الله"، ومفهوم "الوجود"، ولا بد من تصورِهما تصوّراً تاماً صحيحاً حتى تصحَّ نسبة أحدِهما إلى الآخر، فلا يصح أن ننسبَ مفهوماً مجهولَ الماهيةِ إلى مفهومٍ مجهول آخر! والقولُ إن للإله ماهيةً يؤدي إلى لوازمَ ممتنعةٍ ناقشتُها في مقال سابق، وكذلك القول باستحالة الماهية على الله يؤدي أيضاً إلى لوازمَ مستحيلةٍ على مباني مَن يؤمن بوجوده إيماناً يستند على قواعدَ عقليةٍ.


أما الأمر الثاني الذي يخلط فيه أصحابُ الأدلةِ العقلية على وجود إله هو مماهاةُ مفهوم "الله" مع مبدأ "السبب الأول"، أو أيِّ علة وُجد الكونُ بسببها. ينطلق المؤمنُ في إثباته وجودَ الله مِن كونِ العالَم محتاجاً إلى مُحدِث، مباشرةً إلى إثباتِ إله الأديان (الله، يهوه، أهورا مزدا..). إلا أنه لا يصح -إذا رُمنا بحثاً علمياً مُحقَّقاً- أن نساويَ بين مفهومِ إله الأديان وسببِ خلق الكون، فإلهُ الأديان قضية معرفية، أي أن جزءاً من معرفته ينبني على معرفةِ صفاتِه وأفعالِه، أما علةُ وجود الكون فقضيةٌ وجودية.


يتبين من هنا أنّ السعيَ العقليَّ وراء إثبات إله -فضلاً عن "الله"- سعياً غيرُ مثمر، فلا يخلو أيُّ دليلٍ عقلي من فجواتٍ منطقيةٍ تجعله غيرَ صالحٍ للاستدلال لورود الاحتمال عليه. وقد فَطِنَ عددٌ من الفلاسفة لهذه الحقيقة، فلم يعوّلوا على البراهين العقلية، واستبدلوا أدلةَ الفطرةِ والأخلاق والتسليم القلبي مكانَ البراهين العقلية. العقلُ النظري عند إيمانويل كانْت غيرُ قادرٍ على إدراك حقائق الأشياء، وغيرُ قادر على إدراك العالم الموازي لعالم الظواهر، وهو "عالم الشيء في ذاته". فالعقلُ النظري البشري غير مبرمَج على الدخول لهذا العالم، فإذا حاول البرهنةَ العقلية على ما يوجد في هذا العالم؛ فسيكون بحثُه بلا معنى. إنّ إثباتَ وجودِ هذا العالم الموازي الكانتي يحتاج أدلة أيضاً، إلا أنني لستُ هنا في صددِ مناقشة كانْت في أصل وجود عالم الشيء في ذاته. ما أريد قوله هو أن كانْت وضعَ مفهوم "الله" في هذا العالم. بعبارة أخرى لن يستطيعَ العقل أن يصِلَ إلى الله عن طريق البراهين العقلية، ومهما حاولَ العقلُ أن يَصيغَ الاستدلالاتِ العقليةَ لإثباتِ وجود الله فلن يصلَ لغاية، وفي هذا يقول كانت: "لقد وجدتُ من الضروري أنْ أنكرَ المعرفةَ حتى أفسحَ مجالاً للإيمان". ولهذا اجتهدَ كانت في تشكيلِ مذهبٍ أخلاقي يتناسب مع ادعائه بضرورة وجود الله، وهذه الضرورةُ لا تنبع من العقل، وإنما من الضمير الأخلاقي.


نجد مثل هذا الفهم للدين الذي يعتمد اعتماداً كاملاً على الإيمان القلبي دونَ البرهان العقلي عند سورين كيركجارد. يذكر كيركجارد أن الإيمانَ الدينيَّ غيرُ منسجمٍ مع الاستدلال العقلي، وأن المؤمنَ يجب ألا يسعى للبرهنة العقلية على صحةِ إيمانه، فالعقل عنده لا يزوّدُ الإنسانَ بمعارفَ يقينيةٍ، والسببُ أن جميعَ البراهين العقلية تَقبل أن تُدحَضَ بحججٍ عقلية أخرى، وحتى لو لم توجدْ حجةٌ عقلية تقوّضُ أساسَ الإيمان العقلي؛ فإنه -أي الأيمان العقلي- يبقى قابلاً للدحض، وفي هذا السياق يقول: "ولو رحتُ أخوض في الأدلة فإنني سأضطرّ للبقاء في حالةٍ قلقةٍ خوفاً من أن يطرأ أمرٌ مذهل للغاية ينسف أساسَ برهاني".


 يؤكد منهج كيركجارد أن الاستدلالَ العقليَّ المحضَ لا يؤدي بالضرورةِ إلى الإيمان بإله الأديان، وإن كان قد يقود إلى التسليم الاحتماليِّ بوجود بداية وسبب لوجود الكون، ثم إلى احتمالٍ أضعفَ لكون هذا السبب عاقلاً، ثم احتمالٍ أضعف لكون هذا السبب العاقل هو ما يتصوّره البشر من مفهوم "إله"، ثم يستلزم ذلك أن يتم َّإثباتُ صحةِ أنه يتواصل مع البشر عبر البشر أنفسهم (الأنبياء). والإشكال في هذا السردِ الدينيّ أنه يستخلص أدلةَ تحقُّقِه من نفسه. بعبارة أخرى، إن الأدلةَ العقليةَ التي نجدها في علم الكلام والفلسفة الإسلامية واللاهوت المسيحي واليهودي؛ ليست إلا محاولاتٍ لإيجاد تعليلٍ عقلي للعقائدِ التي يؤمن بها المتديّنُ مسبقاً، لا أنّ هذه القواعدَ العقلية تقودُ بالضرورة إلى التصديق المنطقي بإله، أو بالأنبياء والأديان التي جاؤوا بها. لهذا سار كيركجارد على أن الإيمانَ الدينيَّ محلُّه القلبُ لا العقل، ولا يستطيع العقل مُمَثلاً بالبراهين العقلية أن يخدمَ القضايا الدينية.


 يتقاطع منهجُ كيركجارد الديني مع فكر ابن عربي من حيث كون الإيمانِ القلبي أعمقَ وأقوى من الإيمان المبنيّ على الاستدلال العقلي، فالأدلةُ العقلية قابلةٌ للنقض، وتتفاوت البراهينُ من حيث القوةُ الضعف ووضوحُ الدلالة، أي أنه لا يمكن التوصلُ إلى إله الأديان ذي الصفات إلا بالاعتماد على دليل عقلي واحد، فبرهانُ الإمكان مثلا لا يثبتُ وجود إله الأديان، وبرهان النظم دلالتُه على وجود إلهٍ دلالةٌ ظنيةٌ لا قطعية، وبرهانُ الحدوث مبنيٌّ على امتناعِ التسلسل، وامتناعُ التسلسل مبنيٌّ على برهان التطبيق والذي لا يخلو من إشكالات ناقشتُها سابقاً. من أجل ذلك كان الإيمانُ الدينيُّ المبني على البراهين العقلية قابلاً للنقض، غيرَ دالٍّ دلالةً قطعيةً على المدلولِ المراد إثباتُه، أما الإيمان القلبي فلا يقبلُ النقض -عند كيركجارد وابن عربي- ولا يطرأ عليه الشك.


يقول ابن عربي: الإيمانُ الذي يخالط بشاشةَ القلوب لا يُتصوّر في صاحبه شك، لأن الشكَّ لا يجد محلّاً يعمره، فإنّ محلَّه الدليل. ويقول: السليمُ العقل مَن يترك ما أعطاه نظرُه في الله ونظرُ غيرِه مِن أصحاب المقالاتِ بالنظر الفكري، ويَرجع إلى ما قالته الأنبياءُ وما نطقَ به القرآنُ فيعتقده.

الإشكالُ في هذا المنهج الفكري في تعليلِ أساس الدين أن الإيمانَ يصبح ذاتيّاً لا حقيقةً موضوعية، إذ مرجِعُه إلى القلب لا الدليل، ولا يكون الاعتقادُ بإله حجةً إلا على مَن خاضَ هذه "التجربة الدينية" مع المقدس، فإنْ لم تحصلْ له هذه التجربةُ الروحية، لم يكن مُلزَماً بالإيمان. ثم إن التعويلَ على النصِّ المقدس أو كلام الأنبياء في تشكيل الإيمان لا يصحّ، إذ كلاهما مرهونٌ بموافقته قواعدَ العقل، فإنْ وافقَ العقل؛ فليس للإيمان القلبي حينئذٍ قيمةٌ، إذ براهينُ العقلِ السليمةُ مُلزِمة، وليست ذاتيةً. إلا أننا نقع في إشكالٍ آخرَ وهو أنه إذا كان العقلُ غيرَ قادرٍ على التوصُّلِ لإثبات إله وبالتالي إثبات أحقّيّةِ الأديان، وفي نفس الوقت لا يكون الإيمانُ القلبي حجةً إلا على من حصلَتْ له هذه التجربةُ الدينية، فلا يكونُ للدين ولا للإله حجةٌ مُلزِمةٌ للاعتقاد بهما!


عبدالله جوادي آملي من المفكرين الذين ذكروا ما يشبه هذه الفكرة. يقول في كتابه "تبيين براهين اثبات خدا "بسياري از کسانى که به گمان خود از شناخت علمى و برهانى نسبت به مبادى دينى برخوردار هستند، فاقد ايمان دينى بوده و رفتار مشرکانه و الحادى دارند، چنان که بسيارى از مؤمنان نيز نسبت به آنچه به آن ايمان دارند، توان اقامه برهان و استدلال را ندارند". يقول: كثيرٌ من المفكرين والعلماء يمتلكون أدلةً لتحقيق المباني الدينية، إلا أنهم غيرُ مؤمنين، ولا يتصرفون في أفعالهم وفقَ اعتقادهم بهذه الأدلة، وفي نفس الوقت هناك كثير من المؤمنين (المنتسبين للأديان) ليس باستطاعتهم إقامةُ البرهان العقلي على إيمانهم". يشير جوادي آملي هنا إلى أنه لا ملازمةَ منطقية بين الدليلِ العقلي والإيمان، فقد يملك غيرُ مؤمن بوجود الإله كلَّ البراهينِ على وجوده، ولا يقوده هذا إلى الإيمان به. والعكس صحيح، فقد يوجد مؤمنٌ موقِنٌ بوجود الله ولا يملك دليلاً عقلياً على وجوده. وهذا ما ذكره إليه الفلاسفة المشار إليهم سابقاً من كون البراهينِ العقلية غيرَ قادرةٍ على التوصُّلِ إلى إثباتِ وجود أو معرفة الله، إلا أنّ جوادي آملي لم يذكرْ عدمَ إمكانِ العقل النظري على الاستدلالِ على وجود الله، وهو نفسه افتتحَ كتابه بمقدمةٍ منطقية ليبنيَ أدلةَ وجود ِالله عليها، يقول: براي رسيدن به مطلوب، برهان اگر به صورت قياس اقترانى تنظيم شده باشد ، لازم است". يشير إلى ضرورةِ تشكيلِ برهان عقلي للوصول إلى المطلوب في المقام، وهو وجودُ الله.


ما قاله جوادي آملي أشارَ إليه سبينوزا في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يقول سبينوزا: لا توجد أيّة صلةِ قرابةٍ بين الإيمانِ واللاهوت من ناحية، والفلسفةِ من ناحية أخرى (...) فغايةُ الفلسفةِ الحقُّ وحده، وغايةُ الإيمانِ هي الطاعةُ والتقوى". فمضمونُ الكلامِ أن الإيمانَ الديني عند سبينوزا لا يتعلق بالحق، وليس الحق غايةَ الإيمان، فالإيمان يتحققُ بطاعة موضوع الإيمان، وهو الإله، وأكملُ المؤمنينَ إيماناً ليس من يَنشدُ الحقَّ، وإنما مَن يمتثلُ للأوامر.


No comments:

Post a Comment