Friday, June 5, 2020

في اللغة

لا تُختزَلُ وظيفةُ اللغة بكونها مجردَ وسيلةٍ للتواصل بين البشر. نعم، للغة دور فعال في التواصل الاجتماعي، وهذا ظاهر لا يحتاج لبيان، فالإنسان يعتمد اعتماداً شبهَ كلي على اللغة حتى يوصلَ بها المعانيَ المرتسمةَ في ذهنه إلى غيره. إلا أن للغة سلطةً على العقل قد لا نشعر بها لكونها تنمو مع الإنسان منذ بداية وعيه. فالإنسان يتعلم لغته الأمَّ في صغره تعلماً غيرَ مقصود بذاته، أي أنه تعلُّم يحدث بشكل تلقائي، مثلما يتعلم العاداتِ المنزليةَ والأعراف الثقافية التي يراها ويعتاد عليها، هنا تصبح اللغة التي يتعلمها الفرد جزءاً من تكوينه وشخصيته، وقد يكون مبالغةً مع كونه قريباً من الصحة أن نقول إن اللغةَ تصبح سجناً للفكر! فلا يستطيع الإنسانُ أن يكوّن أفكاراً خارج إطار اللغة التي تعلمها، فتصبح اللغة حينئذ مسيطرةً على العقل.

وحتى لا يكون الكلام مرسلاً وعاماً، فإنني أعني باللغة أولًا المفرداتِ التي يستعملها الإنسان للإشارة إلى موجوداتٍ خارجية، أو للتعبير عن أفكار مجردة لا وجودَ خارجياً لها، وهذه هي الأسماء، أو للتعبير عن حركات يقوم بها، وهي الأفعال. ثم إن اللغة -ثانياً- هي طريقةُ ترتيب هذه المكونات الجزئية لإنشاء مركّب أكبر دالّ على معنى، وهو ما يسمى بالجملة أو الكلام (وهناك فروق دقيقة بين هذه المصطلحات، إلا أنني لست في صدد البحث في الفروق الاصطلاحية، إنما أريد المعنى العام لهذه المصطلحات). إلا أنه باختلاف اللغة تختلف طريقةُ ترتيب المفردات في الجملة من حيث مجيء الأسماء قبل الأفعال، أو العكس، أو وجود الروابط وعدمها. وقد يكون هذا الاختلاف في ترتيب المفردات في الجملة مؤثراً على الفكر من جهة إنشاء الأحكام في القضايا المعرفية. ولا يكفي أن توجدَ مفرداتٌ مرتبة لتكوّن جملة، بل يجب أن تكون لهذه النسق اللغوي دلالةٌ على معنى ما، والدلالة على معنى هو بمثابة الشرط الذي يجب تحققه في جميع اللغات حتى يكون التواصلُ الاجتماعي فعالاً. إلا أننا نسأل كيف تؤثر اللغة على الفكر؟ أو كيف يكون للغة دور في إنتاج الأفكار إذا كان الفكرُ أعمَّ من اللغة.

الأفكار الذهنية يُعبّر عنها باستخدام مفردات (أي عبر الكلام)، أو رسوم، أو منحوتات، أو حتى بالموسيقى. إلا أن السؤالَ المتعلقَ بموضوع البحث هو عن دور اللغة في تكوين الأفكار. عندما نقول إن الفكرَ أعمُّ من اللغة، فيستحيل حينئذ أن يكون الخاص مؤثراً في العام، أي يستحيل أن تكون اللغة (المقيَّدة) هي المؤثرة في الفكر (المطلق)، بل يجب أن يحدث العكس، لأن الفكرَ ثابت غير متغير، وأعني بهذا أن المعانيَ الذهنية المرادة من الإنسان ثابتةٌ حتى باختلاف اللغات. فيحدث أحياناً أنني أشعر بمعنى ما في عقلي، أو أفكر بمفهوم ما، إلا أنني لا أجد في لغتي (أي لغتي الذاتية الخاصة بي) مفردةً تساوي المعنى الموجودَ في ذهني وتدل عليه دلالةً تطابقية. وهذا ما يقصد بمحدودية اللغة، وهذه المحدودية ناشئة من مبدأ آخر وهو اعتباطية اللغة، أي أن المفرداتِ التي تدلّ على معانٍ هي أصوات تم اختراعها من مجموعة من الناس واتفقوا عليها لتدلَّ على معنى تواطؤوا عليه، أي أنه لا علاقة عقلية أو لزومية بين اللفظ والمعنى (تنشأ العلاقة اللزومية بين اللفظ والمعنى بعد التواطؤ على دلالة الأول على الثاني، إلا أنه لا علاقة لزومية قبل هذا التواطؤ اللغوي). فإذا قلت "سماء" فإن الذهنَ سوف يتوجه إلى معنى معروف متفق عليه بين المتحدثين بنفس اللغة، لكن لا توجد علاقة منطقية بين لفظ "سماء" والمعنى الذي يشير إليه اللفظ. قد يقال إن لفظ "سماء" مشتق من الفعل "سما" أي "علا"، أو مشتق من المصدر "السمو" أي "العلو". وجواب هذا الإشكال من وجهين: أولاً: هذا الإشكال ناشئ من القول بمبدأ "الاشتقاق" في اللغة العربية، ولا يجري في المفردات غير المشتقة سواء في نفس اللغة أو غيرها، فإذا استبدلنا لفظ "sky" في الإنجليزية، أو "آسمان" في الفارسية بلفظ "سماء"، فلن نواجه هذا الإشكال. ثانياً: حتى مع القولِ بالاشتقاق، فإن العلاقةَ بين دلالة اللفظ المشتق منه (مصدراً كان أو فعلاً) والمعنى المشار إليه تبقى دلالةً اعتباطية.

وهذا يدل على ثبوتِ المعنى في الذهن، والتغير إنما يكون في اللغة المعبِّرة. مثال: إذا كنت أشعر بالسعادة، فإن معنى هذا الشعور واحد في الذهن البشري، إلا أن الاختلافَ حاصلٌ في طريقة التعبير عن هذا الشعور، أي أن الاختلافَ في اللغة. وهذا المثال جارٍ في المفاهيم البسيطة المنعكسة في مفردة واحدة، وفي الجمل المركبة من عدة مفردات كمثل: أشعر بالجوع، الجو بارد، السماء زرقاء...إلخ، فالمحتوى المعنوي لهذه المفردات واحد، إلا أن طريقةَ التعبير عن هذا المعنى تختلف باختلاف اللغة المستعملة للتعبير. وقد يكون التعبير عن المعاني المجردة والعقلية أكثر صعوبة من التعبير عن المعاني المحسوسة.

إذا نظرنا إلى اللغة من هذه الجهة، أي من جهةِ كونها معبِّرةً عن معانٍ ثابتة في الأذهان، فإننا سننتهي إلى المقاربة الاختزالية للغة، والتي تجعل من اللغة مجردَ وسيلةٍ لنقل المعلومات الذهنية عبر أصوات مرتبة، أي عبر الكلام، وهذا سيؤدي أيضاً إلى القول بعدم تفاضل اللغات لكونها جميعها تحقق نفس الغاية وهي التعبير عن المعاني الذهنية (ولست هنا كذلك بصدد مناقشة رأي من يقول بتفاضل اللغات أو عدم تفاضلها).

إن عملَ اللغة لا يقتصر على كونها مجرد وسيلة لإيصال المعاني، بل يمتد لأعمقَ من هذا البُعد. إن اختلافَ تشكيلِ المفردات عبر الاشتقاق، وموقع الكلمة في الجملة، والترتيب النحوي للأسماء والأفعال فيها، ترتبط كلها في الذهن من خلال تأثيرها في كيفية الاعتقاد بقضايا المعرفة. وليس هذا فحسب، بل يمتد أثرها حتى إلى "تشكيل" المنظومة الفكرية والمعرفية للفرد. الإشكال هو أننا لا يمكن أن نتأكد من كون منظومتنا المعرفية مبنيةٌ على أساس لغوي بحت إلا إذا اتجهنا للمقارَبة المقارِنة بين اللغات من حيث قواعد النحو، والاشتقاق، والمجاز في اللغات. الدراسة المقارنة تتيح لنا معرفة تأثير هذه الظواهر اللغوية على تكوين الأفكار، ثم إنشاء البناء المعرفي.

No comments:

Post a Comment