في هذا المقال أناقش مفهومَ اللغة والملكةِ اللغوية، من حيث كون اللغةِ التي يكتسبها الإنسانُ ثم يتحدث بها ترجع في أصلها إلى ملَكةٍ عقلية أطلقتُ عليها مصطلحَ "الملكة اللغوية". يولد الإنسان مُزوَّداً بهذه الملكة اللغوية، أي أنه لا يكتسبها بعد وعيه كما يكتسبُ أيَّ مهارة أخرى. ثم حددتُ الفرقَ بين مفهومي "الملكة اللغوية" و"اللغة"، من حيث كون الملكةِ اللغوية مفهوماً، واللغةِ المكتسَبةِ مصداقاً. ثم أشرتُ إلى دور اللغة المستخدَمةِ وفق قواعدَ متعارفٍ عليها في تشكيلِ المنظومةِ المعرفية للأفراد والمجتمعات، من حيث كون اختلافِ طبيعة الوعي المجتمعي والفردي يرجع إلى طبيعةِ اللغة المستخدمة، فتكون العلاقةُ بين اللغة والفكر هي علاقة السبب والمسَبَّب.
-
قلت في مقال سابق إن علاقةَ اللغة بالفكر لا تقتصر على "التأثير" فقط، بل إن نظامَ الاعتقاد عند الفرد يكاد يكون متأسساً على اللغة، أي أن اللغةَ تعمل على تشكيل المعاني الذهنية في العقل الإنساني، بحيث إذا اختلفتِ اللغةُ تغيّرَ نظام الفكر. والحديث عن اللغة في هذا السياق لا يُقصد به تحديدُ مصداقٍ للُغة بعينها كالعربية أو الإنجليزية، وإنما يقصد باللغة تلك القابلية للإدراك Potentiality التي تنشأ مع الإنسان عند وعيه، ومرجِعُ هذه القابلية إلى ملَكةٍ عقلية بإمكاننا أن نسمّيَها "الملكة اللغوية". والمقصود بهذه الملكة القدرةُ والقابلية العقلية عند الإنسان التي تمكّنه من تعلُّم لغة ما. نستطيع أن نفكر في اللغة في هذا السياق كما فكّر "إيمانويل كانْت" في الزمان والمكان، من حيث إن الزمان والمكان ملكاتٌ عقلية لا موجوداتٌ خارجية مطلقة. ولتوضيح هذه الفكرة، نستعين بتشبيهها بالعين والنظارة الملونة، فلو وضع الإنسانُ على عينيه نظارةً حمراء، فسيرى العالمَ كلَّه أحمر، ولو وُلد الإنسان وعلى عينيه هذه النظارة الحمراء، فلن يرى العالم سوى أحمر اللون، بل لن يكون بمقدوره أصلاً التفكيرُ في أن هذا لونٌ "أحمر"، لأنه بالنسبة له هذا هو ما تبدو عليه الحياة، هذه هي الحياة "الطبيعية".
نعود لفكرة "كانْت"، نستطيع تصوّرَ الزمان والمكان كنظارةٍ لكنها وُضِعَتْ على عقولنا، لا نستطيع أن نرى العالم إلا من خلالهما، بل لا نستطيع أن نتصورَ خُلُوَّ العقل من هذه الملَكات، فهما ليسا موجوداتٍ خارجيةً، وإنما "حدوس قبلية". اللغة كمفهوم تشبه ملَكتَيِ الزمان والمكان، فاللغة بهذا المعنى مَلَكة للحكم كذلك، أي شرطٌ للإدراك المعرفي، نرى العالمَ من خلالها، وهذه الملَكة عقلية، أي أنها لا تُكتسب من خلال التعلم، بل يولد الإنسان مزوَّداً بها، تماماً كملكة الزمان والمكان، لا تنفكّ عن العقل. ولا يختلف الناس بهذه الملكة، إذ هي واحدة عندهم، إنما الاختلاف في مصداق "اللغة"، أي يكون الاختلاف في النظام اللغوي الذي يكتسبه الإنسان من محيطه، وهذا النظام يسمى اللغة، ويختلف عما أطلقنا عليه "الملكة اللغوية"، فإذا كانت "الملَكة اللغوية" هي المفهوم، فإن "اللغة" هي المصداق.
وإن كان يبدو غيرَ دقيقٍ أن نطلقَ على "اللغة" لفظَ مصداق، إذ الألف واللام فيها تدلّان على أنها الجنس، والجنس يشير إلى المفهوم لا المصداق، فالأدقّ أن تكون لغةٌ ما هي مصداقُ "اللغة"، فإذا كانت "اللغة" هي المفهوم، فإن "اللغة العربية" مثلاً مصداق لهذا المفهوم. لكنني أقول إن "اللغة" مصداق، والألف واللام في "اللغة" تكون للعهد الذهني الدالِّ على أيّ لغةٍ يتصورها القارئ في ذهنه. (هذا الاختلاف بحدِّ ذاته يثبت ما نحن في صدد الحديث عنه، فالاختلاف الوظيفيُّ للألف واللام الداخلة على الكلمة، ثم اختلافُ الدلالةِ الناشئ عن اختلافِ الوظيفة؛ دالٌّ على تأثير القواعد اللغوية في عملية تشكيلِ فكرةٍ ما، ولا يقتصر هذا على اللغة العربية فحسب، بل على جميع اللغات في العالم، إذ لا تخلو لغةٌ من ظواهرَ لغويةٍ مميِّزةٍ لها عن غيرها).
يتعلم الإنسان لغةً ما بهذه الملكة، أي من خلال استغلال الملكة اللغوية للعقل. ولتوضيح الفرق بين اللغة والملكة اللغوية، يمكننا أن نشبّهها بأي ملكة ومهارة أخرى، كالشعر مثلاً، فإن الشاعرَ يَنظم قصيدة أو يرتجلُ شِعراً بفضل ملكة عقلية يمكننا أن نطلق عليها "ملكة الشعر"، فالملكة كما قلنا تعني القابلية والقوة Potentiality. الفرق بين ملكة اللغة وملكة الشعر أن الأولى مغروسةٌ في عقل الإنسان لا تنفكّ عنه، والثانية يُتصور أن يولد الإنسانُ دونها، فلا تخصُّ إلا صاحبَها، وهو "الشاعر" في هذا المثال، ويمكن أن نستبدل الموسيقيّ مثلاً بالشاعر من حيث إن المهارةَ تنطلق من مَلكةٍ عقلية.
وقد يصح القولُ كذلك إن اختلافَ الملكة اللغوية عن غيرها من الملكات هو أن المهاراتِ كالشعر والموسيقى يمكن أن تُكتسب دون ملكة أو قابلية مُسبَقة لهذه المهارة، ثم تتكون الملكةُ بعد الدُّربة والممارسة، وهذا لا ينطبق على اللغة كمفهوم، حيث إن الإنسانَ لا يتعلم اللغة، نعم يتعلم لغةً ما (مصداق)، إلا أنه لا يتعلّم مبدأ اللغة (مفهوم)، مثلما أنه لا يتعلم الحكم على الأشياء من خلال النظر إليها في قوالبِ الزمان والمكان، ومثلما أنه لا يتعلم قوانينَ العقلِ الأولية، ومن هنا كان من المفيدِ التفريقُ بين اللغةِ كملكةٍ عقلية، واللغةِ كمصداق.
إن اللغةَ التي يتعلمها الإنسان، والتي يكتسبها بفضل وجود الملكة اللغوية؛ تكون ذاتَ نظامٍ معين وقواعدَ محددةٍ متفقٍ عليها بين المتحدثين بنفس اللغة. وليس من الغريب أن يتشاركَ المتحدثون باللغة ذاتها عينَ النظامِ الفكري وطريقةِ الاعتقاد وتكوين الأفكار. وليس من المؤكد، إلا أنني أزعم أن تشابهَ اللغةِ هو السببُ في تشابه المنظومة المعرفية للمجتمع الواحد والقبيلة الواحدة وحتى للأسرة الواحدة، فالاختلاف الثقافي بين الأُسَر في المجتمع الواحد يرجع إلى اختلافِ طريقة استعمال اللغة بين أفراد هذه الأسرة، فاللغة هنا سبب لاختلاف أو لوحدة الأعراف الاجتماعية، أي أن العلاقةَ بين تشابه اللغة بين الأفراد الناطقين بها من جهة، والمنظومة الفكرية والاجتماعية من جهة أخرى؛ هي علاقةُ السبب والمسبَّب، بعبارة أخرى، إن تشابهَ اللغة هو السبب في اجتماع الأفراد تحت مظلةٍ اجتماعية وفكرية واحدة، من حيث كون اللغةِ المتخاطَبِ بها مَنشأً للأفكار. نجد هذا ظاهراً في ميل الإنسان إلى مخالطة من يتحدث بنفس لغته، وذلك لسهولة التواصل الفعّال بينهم، وليست فعاليةُ التواصل بسبب اللغة فحسب، بل لأن النظامَ الفكريَّ المصاحبَ لهذه اللغة متشابهٌ عند المتحدثين بنفس اللغة. ويكثر الجدل حول مُدخليةِ اللغةِ في التكوين الفكري للفرد في سياق البحث في موضوع "هوية" الفرد والمجتمع، وما يدخل في تكوين هذه الهوية وما لا يدخل، إلا أن هذا الجدلَ خارج نطاق البحث هنا.
إن الملكةَ اللغوية -والتي بدأنا الحديث عنها- هي ما تمكّن الإنسانَ من اكتسابِ لغات إضافة للغته، فإذا أخذنا بعينِ الاعتبار اختلافَ الأنظمةِ الدلالية والنحوية وقواعدَ بنيةِ الكلمة ثم الجملة في اللغات، فإن إدراكَ هذا يرجع إلى الملكة اللغوية التي لولاها لكان الإنسانُ ينطق بأصواتٍ يكررها دون إدراك لما تشير إليه، فغير مُستبعَدٍ في هذه الحالة أن يتفوّقَ في تركيب الجملة تركيباً صحيحاً، إلا أنه لا يكون قادراً على إنشاء جملةٍ صحيحةِ المبنى وذات دلالة مفيدة، وأعني بـ "صحيحة" هنا أي أنها موافقةٌ للقواعدِ التي اتفقَ عليها المتحدثون بهذه اللغة، وليس المقصودُ الصحةَ الموضوعية، أي مطابقةَ القضيةِ للواقع الخارجي، فلا ينطبق هذا على اللغة كمصداق. قد يقال إن القدرةَ على إنشاء جمل صحيحة ومفيدة يرجع إلى العقل لا الملكة اللغوية. وفي هذا شيء من الصحة، إلا أن مفهومَ "العقل" في هذا السياق مفهومٌ عام، غير متعلِّقٍ بالحديث عن اللغة، ويمكننا القول إن النظرَ إلى العقل يختلف باختلاف حيثيّةِ النظر، أي أن العقلَ من حيث هو قادرٌ على اكتساب اللغة يُسمى "ملكة لغوية".
No comments:
Post a Comment