Sunday, June 7, 2020

في الحاجة إلى الدين

تتردد الكثيرُ من الحُجج في سياق تعليل وجود الدين في حياة الإنسان. وأول تلك التعليلاتِ هو القولُ إن الدينَ "ضرورةٌ بشرية" و "حاجة إنسانية"، فيستحيل أن يعيشَ الإنسان بلا دين. إلا أن هذا القول مبهم، وغيرُ دالٍّ على معنى نستطيع من خلاله استخلاصَ وظيفةِ الدين أو مدى "ضرورته". وذلك أن مفهومَ "الضرورة" يتضمن عدة معان، كالضرورة العقلية بمعنى استحالة الانفكاك، أو الضرورة بمعنى الاقترانِ العادي -لا العقلي- في الوجود، أو الضرورة بمعنى كونه عنصراً داخلاً في التكوين الإنساني، لأجل ذلك وجبتْ إعادةُ البحث في القول إن "الدين ضرورة" وحاجة إنسانية.

قد يُقصد بهذا الادعاءِ أن الدينَ لم يزل عنصراً حاضراً في حياة البشرية منذ نشأتها. فعند دراسة الحضارات القديمة ومجتمعات ما قبل التاريخ، ينتهي الباحثُ إلى التسليم بوجود حدٍّ أدنى وشكل من أشكال الدين عند هذه الحضارات. ومن المؤكد أن المظاهرَ الدينية مختلفةٌ باختلاف الحضارات أو التجمعات البشرية أو الأفراد، وأنّ مصداقَ الدين غيرُ مشترك بينهم، إلا أن البحثَ في تجليات الدين خارج إطار الكلام هنا. لكنّ المشتركَ بين الأديان -القديمة منها والحديثة- هو محاولةُ خلقِ علاقة بين الوجود البشري من جهة، والقوى الكامنة وراء الظواهر الطبيعية من جهة أخرى، حيث تتجلى هذه العلاقةُ عبر الطقوس والقرابين والتراتيل. فالتواصل بين الإنسان والقوى الميتافيزيقية هو ما مقصود القول بـ "الحد الأدنى" للدين. هذا الحد الأدنى كان حاضراً في جميع الحضارات الإنسانية، لكن هل هذا يعني التلازمَ الضروري بين مفهوم "الدين" والإنسان؟

القول عن ظاهرة ما إنها ضرورةٌ بشرية يجب أن يُبنى على قواعدَ عقليةٍ، وتتجلى من خلال "ضرورة" هذه القواعد العقليةِ الظاهرةُ التي نحن بصدد البحث فيها. إلا أن الاستدلالَ بالعكس حصل في البرهنة على "ضرورة" الدين، حيث يستدل المدافعون عن هذا الرأي بالواقع، ثم يبنون من خلال الواقع قواعدَ عقليةً تُجعلُ ضروريةً، ثم يعكسونها مرة أخرى على الواقع من باب "ضرورة" وجود هذه الظواهر بناء على هذه القواعد. ولهذا فإن تعليلَ وجود الدين في الحياة الاجتماعية لا يكون سوى محاولةِ "تبرير" عقلي لواقع مُعاش، لا استدلالٍ على الضرورة العقلية لوجود الظاهرة الدينية. فإذا أخذنا مثالَ وجود الدين في الواقع البشري منذ بداية ظهور الإنسان (ونسلم جدلاً بصحة هذا الادعاء أن الدين لازَم البشريةَ منذ ظهورها)، فإن أصحابَ الاستدلالِ العكسي يستنتجون التلازمَ العقلي بين الوجود الإنساني ووجود الدين. إلا أن اقترانَ وجودِ الدين مع الاجتماع البشري لا يعني اللزومَ الضروري أو الارتباطَ العقلي، لا يعني سوى الاقترانِ في الوجود، ولا يمكن استنتاجُ اللزوم الضروري بمجرد هذا الاقتران في الوجود. والقولُ إن الدينَ ضرورةٌ إنسانية بهذا المعنى يشير إلى أن جوهرَ النوع الإنساني لا يتقوّم إلا بوجود الدين، وليس هذا القول بصحيح، إذ العقلُ لا يفرض هذا.

أو قد يكون المقصودُ بضرورة الدين؛ الضرورةَ التفضيلية، أي أن التفاعلَ الاجتماعي بين البشر من حيث تنظيم العلاقات يقوم بغير دين، إلا أن البشر قد يخطئون في تنظيم العلاقات بينهم ولهذا وجبَ -وجوباً كمالياً لا عقلياً- وجودُ قانون مطلق وهو الدين. وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه فكرة النبوة، إذ الغايةُ منها تنظيمُ حياة الناس عبر إلزامهم بالشرائع التي جاءت وحياً من إله. إلا أن وضْع الشرائع للإنسان لا يُستنتج منه ضرورة وجود الدين، فالقوانين البشرية والشرائع التي يتواطؤ عليها الناس في المجتمع كفيلةٌ بتنظيم حياتهم والعلاقات بينهم. وذلك لا يعني أن الشرائع التي جاء بها الأنبياء شرائعُ فاسدة، بل غاية القول إن الإنسان قادرٌ على وضع تشريعاتٍ وقوانينَ تضبط أفعال الناس في المجتمع وتُحكم سلوكَ الفرد. فمن هذه الجهة كذلك لا يكون الدين "ضرورةً" إنسانية ولا "حاجة" مجتمعية.
ولا يصح أن يقال إن الغاية من النبوة أن يعرف الناسُ الإلهَ، فهذا هو الهدف الأسمى للوجود، ففي هذا مصادرة على المطلوب، إذ الاستدلالُ على وجود خالق يجب أن يُبنى على أساس العقل لا النص الديني، وثبوتُ النبوة فرعُ ثبوتِ وجود إله، فلا معنى إذن للقول إن النبي مرسَلٌ ليُرشد الناس للإيمان بإله فلفظ "نبي" بحد ذاته يتضمن ثبوتَ إله. 

 أو قد يقصد بضرورة الدين الضرورةُ الأخلاقية، أي أن الدين يقوم بدور المرشد الأخلاقي الذي يهذب سلوك الفرد ويضبط أفعاله، فيُنتج مجتمعاً قائماً على أساس الأخلاق. نعم قد يكون للدين دور في تعزيز الأخلاقيات في المجتمع إلا أن هذه الوظيفةَ ليست الجوهرَ الأساس للدين، أو الغايةَ التي نشأت (أو أنزلت) من أجلها الأديان، فليس هدفُ الدين في المقام الأول تعزيزَ الأخلاق في المجتمع. فالأخلاق كمفهوم كلي أعم من الدين. نعم يأتي الدين ويقرر بعض الأخلاق في ثقافة المجتمع وينبذ أخرى، إلا أنه لا يأتي بأخلاق خاصة فيه لا نجدها في ثقافة أخرى أو دين آخر. إن من يعتقد أن الدينَ مرادفٌ للأخلاق، أو حتى من يعتقد أن الأخلاق هي جوهر الدين، يخلط بين ما هو ذاتي وما هو عرَضي (ما هو أصل، وما هو فرع)، أي بين الأمور التي هي بمنزلة المقِّوم لماهية الدين من جهة، ومن جهة أخرى الأمور التي يكتمل بها الدين إلا أنها ليست من جوهره وليست هي ما يميزه. الأخلاق لا تميز ديناً عن غيره من الأديان، وإنما ما يميز ديناً ما هو نظام الاعتقاد ثم الشريعة الدينية. من يرى أن جوهر الدين هو الأخلاق يرى الدينَ مرشداً أخلاقياً منحصراً دورُه في الإصلاح الاجتماعي وقبله الفردي، فإنه إذا كان الدينُ مرادفاً للأخلاق فهذا يعني انتفاءَ الضرورةِ المزعومة فيه، حيث يمكن البحث عن توجيهاتٍ أخلاقية في أنظمة اجتماعية أخرى، لأنه حينها يتساوى مفهوم الدين مع أي فلسفةٍ أخلاقية أخرى كأخلاق الواجب أو النفعية.

أو قد يقصد بالقول إن الدين ضرورةٌ، أي الضرورة على المستوى الفردي. وهذا يظهر في التبريرات التي تُرجع مبدأ التدين إلى الفطرة، بالقول "إن الإنسانَ كائنٌ متدين بالفطرة". وهذا الادعاءُ أكثر غموضاً من القول إن الدين ضرورة إنسانية. فمعنى الفطرة -كالضرورة- مبهمٌ، ويحتمل تأويلاتٍ عدة ترجع في معظمها إلى "الإحساس" الفردي، أي القول إن الإنسان "يشعر" بوجود قوة عظيمة خلقت هذا الكون، ويحس بالحاجة إلى اللجوء إلى إله عبر الدعاء، حتى يسكنَ قلبُه وتطمئنَّ روحه… وهذا كلام خطابي لا يحمل قيمة برهانية ولا عبرة به في مقام الاستدلال العقلي. فلو كان الدين مقتصراً على الحاجة الفردية لصار التخلي عنه في الأمور المجتمعية مسوَّغاً، ولا يقول المتدين بهذا. ثم إن الاقتصارَ على ضرورة الدين في البُعد الذاتي ينافي الطبيعةَ الموضوعية المزعومة للدين، فلو كان الدين حاجة ذاتية وتجربةً فردية؛ لَما صار مُلزِماً للمجتمع ككل، ولاختلف التجلي الديني في الفرد، ولَتعدد بتعدد الأفراد في المجتمع الواحد. ثم إن الدين ينطوي على مبدأ "المطلقية" في القضايا، فالحقيقة في قضية وجود إله -على سبيل المثال واحدةٌ غير متعددة، ومن يخطئ فيها فمصيره العقاب. فلا يصح أن يكون الدين "ضرورة إنسانية" بهذا المعنى.

No comments:

Post a Comment