Tuesday, July 28, 2020

الإله، اجتماعياً

يولد مفهومُ الإله من رَحم الثقافة، وينمو في المجتمع متأثراً بالإرث الثقافي والتقاليد الشعبية المتمثِّلة في اللغة والسلوك والأعراف، فلا يخلو مظهر اجتماعي إلا ويدخله مفهومُ الإله بعد تطوره وتغلغله في أعماق اللاوعي، وتجذُّرِه في قاع العقل الجمعي. قد يصح القولُ إن مفهومَ الإله واحدٌ عند المجتمع ككل، فصورة الإله العربي واحدة، وتختلف بطبيعتها عن صورة الإله الغربي، أو الإله الصيني.. إلا أنه يصعب القول إن صورةَ الإله واحدةٌ عند كل أفراد المجتمع، مهما اتفقوا على الملامح العامة لصورته. يقفز مفهومُ الإله هنا من المبحث الوجودي إلى الساحةِ الاجتماعية حيث يلبس ثيابَ الثقافة السائدة في المجتمع. لم يمت الإله، ولم نقتلْه نحن، بل وُلد الإله، ونحن صنعناه، إله نيتشه الميت هو الإله الاجتماعي الذي يطابق السائدَ والمعروفَ في الثقافة التي تصنعه، ولا يخالف أعرافَ المجتمع الذي يولد فيه، بل يتفاعل معهم بحضوره، وسماعه نداءاتِهم وتلبيته دعواتهم وقضائه حاجاتِهم. لولا المجتمعُ لمَا كان إله، ولولا التراثُ الثقافي في المجتمع لمَا كان بالإمكان اختراعُ صورة الإله، فلا تكتمل صورته في ذهن الفرد إلا بتفاعلِ عناصرَ ثقافيةٍ واجتماعية تختمرُ في الذهن فتنتج صورةً للإله، صورةً تعكس النمطَ الفكريَّ الغالبَ على هذا المجتمع.

لا يغيب العاملُ النفسي في تشكيل صورة الإله، الإلهِ الناشئ عن الحاجة والخوف، والذي يلعب دورَ الخشبة الطافية التي يتعلق بها آخرُ راكبِ سفينةٍ قبل الغرق، وطوقَ النجاة الذي يكون أغلى من حياة الإنسان نفسها في هذه اللحظة، فقبل الغرق يظن الإنسان أن هذا الطوقَ وذلك الجذع مَن سينقذ حياته، وقد يكون! التصور المجتمعي البسيط عن الإله، كتصورِ الغريق لطوق النجاة، هو النور في نهاية النفق المظلم، والواحة في وسط الصحراء، نركض لنصل للنور، فقد نجده وقد ينطفئ قبل الوصول! ونجرّ أرجلنا لنصل للواحة نرتوي من مائها، فقد تكون واحة، وقد تكون سراباً!

التصور الاجتماعي العام للإله ليس سوى إسقاطاتٍ بشريةٍ نابعة من المخزون الثقافي، أو تخيلاتٍ لِما "يريده" الإنسان من الإله أن يكون، في هذه الحالة يصنع كلُّ إنسان إلهه الخاصَّ به، إلهه الذي سيلبّي له رغباتِه، فيكون إلهُه أملَه الأخيرَ الذي يتعلق به لإنجاز ما تبقّى من أمنياته. يريد الإنسان مرجعاً يستند إليه في حالات الشدة، فيُلبس الإلهَ صفةَ الرحمة، ويأمل الإنسان نجاحاً في حياته، فيطلب التوفيقَ من إلهه الذي يظنُّ أنه هو المسؤول عن توفيقه، لأنه "لو لم يوفقني الإله، فكيف نجحت!"

يتصور الناسُ الإلهَ كفرد جنسهم يتفاعل معهم، يسمع ويردّ وينظر ويضحك ويغضب ثم يرضى إذا تراجعنا عما أغضَبه، يتمثل هذا التصور في فكرة الدعاء، حيث يظن الإنسانُ أن الإلهَ ملِك تُرفع إليه الحاجات والطلبات، ويقرر بناءً على عواملَ عدة أيحقق هذه الطلبات أم لا، فإذا حدث وتحقق المراد، نُسِب ذلك جزماً إلى "الله" الذي استجاب الدعاء وحقق ما طُلب منه. الإشكال يكمن في الجزم المتمثل في نسبة تحقق المراد إلى الله، كيف نتأكد أن الله هو من حقق المراد إن كان المراد سيتحقق بالدعاء وبغير دعاء؟ الدعاء يعامل الإله على أنه الملجأ الذي يقضي الحاجاتِ الصعبةَ، وهذا التصور ناشئ من "إرادة" الإنسان أن تكونَ هناك جهةٌ يُسند ظهرَه إليها تَضمن له قضاءَ حاجاتِه، فإذا لم تتحقق حاجتُه؛ جزَم أنها خير لكونها تقع ضمن خطة "الله" الذي يريد له الخير دائماً. لا نعلم إنْ كان اللهُ يريد لنا الخير، بل ليس بالإمكان أن نعلمَ أصلاً، لكنها "الإرادة" البشرية، الناس يريدون أن يطمئنوا، يفضّلون شعور الراحة الذي يَنتج عند نسبةِ عواقبِ الأمور إلى كيان أقوى، ولكن كيف علمنا أنه أقوى؟


هذا التصور الاجتماعي للإله ككائن متفاعل مع البشر بشكل يومي؛ تدلُّ عليه أبسطُ العبارات المستعمَلة في ثقافتنا مثل:  ادعُ الله-الله يوفقك-الله يكون بعونك-الله معاك-الله يحبني (في حالة تيسير أمر معين)..  تتحول هذه العبارات عبر الزمن من كونها مجازاً إلى حقيقة، فيتصور الناس أنّ للإله صفاتٍ حيةً كصفاتهم، لكن الفرق أنهم لا يعلمون "كيف"! ويعتبر "تابو" دينياً أن نطرح سؤال "كيف" بأي شيء يتعلق بالإله، هذا التحريم الاجتماعي ناشئ من مبدأ التقديس، يغطي الإنسانُ ما يراه موضوعاً حساساً و"ممنوع الاقتراب" منه، يغطيه بثوب القداسة، ولكن لم يسأل أحد: كيف تطورَ الإلهُ ليصبحَ موضوعاً حساساً يُمنع حتى السؤال عنه بـ "كيف؟"؟ يمثل الإله "الاجتماعي" صمامَ الأمان، والصخرةَ التي يستند إليها الناس، والبساطَ الذي يقف عليه المجتمع، فإذا تم التعرضُ لهذا البساط، أو حتى لو فكّر أحدهم بلمس هذا البساط؛ فسيسقط المجتمع كلُّه، فأفضل حل أن يُمنعَ الحديثُ عنه والتفكير فيه بل وحتى إرادةُ التفكير. في هذه الحالة من تصور الإله الاجتماعي، لا يكون مفهومُ الإله حقيقةً موضوعيةً بقدر ما يكون مفهوماً من صُنعِ عقول البشر، مفهوماً يمنحهم الشعور بالأمان، يزودهم بالقوة معنوية، ويعطيهم الراحةً نفسية المطلوبة كلما رجعوا إليه وسألوه، فيتم التعلقُ به و"إدمانُه" ليس لكونه حقيقة، بل لدوافعَ نفسيةٍ كالشعور بالاطمئنان والسكينة والثقة.

وما المشكلة في هذا؟ الخطير بالأمر أنّ التعلقَ النفسي يبدأ بشعور بالراحة، وينتهي إلى الإدمان وعدم القدرة على الانفكاك عنه. ثم إن التعلقَ النفسيَّ لا يختص بمفهوم الإله، بل قد يتعلق الإنسان بأي مفهوم مِن صُنع عقله، يلجأ إلى هذا المفهوم في أوقات الشدة، وينسب إليه الخيرَ والتوفيق في أمور الدنيا، ثم يصلُ به الحال إلى الخوف من هذا المفهوم الذي هو مُن صُنعِه إذا شعرَ أنه ابتعدَ عنه، ويشعر بالتقصير تجاهه، يتخيله كينونةً حيةً تشعر به ويشعر بها، ولكونها مخفيةً يعظّم من شأنها، فما كان مخفياً فشأنه أعظمُ من الظاهر، لكن يستحيل أن تكونَ صفاتُ هذه الكينونة المخفية مخالفةً لصفات مَن صَنعها، فلا يستطيع الإنسان بناءَ مفهومٍ إلا من موادّ أولية، وهذه المواد الأولية يستخلصها من المعارفِ الذهنية الموجودة مسبقاً، فتكون صفاتُ هذا الكائن الحي "الإله" الذي صنعه ذهن الإنسان؛ مطابقةً تماماً لصفات الإنسان إلى أن يبدأ بتضخيم هذه الصفات، لأنه لو لم يقم بتضخيم ِصفاتِه فسيكون هذا الكائن مشابهاً للإنسان من حيث قوتُه وقدرته، ولن يكونَ بإمكانه أن يزود الإنسان بمعاني الطمأنينة والأمل التي ينشدُها منه.


انتقلَ موضوع "الإله" من البحث الوجودي الذي هو الأصل، إلى البحث المعرفي الذي يتأسس على الوجود. معرفةُ صفاتِ الإله مبنيّةٌ على التحقيق أولاً في مسألة وجوده، فإذا صحَّ وجودُ إله؛ يلزَمُنا البحثُ في حقيقةِ هذا الوجود وما يجري عليه وما لا يجري، حتى نعرفَ كيفيةَ نسبةِ الصفات إليه. ولكن نسبة الصفات إلى الله ليست مستمَدّةً من العقل، بل من النصِّ المقدس الموجَّه إلى العامّة، حيث يراد منهم مطلقُ الإيمان بإله دون الخوض في إشكالات "كون الوجود عين الماهية في مبدأ واجب الوجود، وإلا صحّ انفكاكُهما ذهناً وسقطَت فكرة وجوب وجود إله عقلاً". عامة الناس غير معنيين بهذا الخطاب، فغاية النص المقدس منهم: قل آمنتُ بالله، أو "الله موجود" ولا تسأل كيف. الامتناع عن سؤال "كيف" ليس لأجل فكرة امتناع الكيفية على الإله بقدر ما هي تسليم وإيمان، وتفضيل الراحة العقلية على الخوض في مسائلَ متشابكةٍ، يخشى منها الإنسان أن تنتهيَ به إلى نبذِ ما اعتادَ الاعتقادَ به منذ الصغر. المسألة هنا اعتياد أكثر من كونها اعتقاداً بأمر مطابق للواقع.


أكثر ما يخشاه الإنسان أن يكتشفَ أنّ ما اعتاد عليه خمسين عاماً؛ مبنيّ على أساس هارٍ ضعيف، فيفضّل حينها أن يستمرَّ على ما اعتاد عليه ويتركَ البحثَ في معتقداته إنْ كان هناك احتمال ضئيل أن تكون خاطئة! إن التسليمَ للتعاليم التي يظنّها الإنسان إلهيةَ، خير -بالنسبة له- من البحث والتدقيق في هذه الأوامر، لأنه لا يريد أن يكتشفَ أنها أوامر لا معنى لها والحال أنه قد اعتاد عليها مُذْ وعى على الدنيا، فيكون في هذه الحالة كمن يحلم حلماً رائعاً، لا يريد أن يفكر أنه في حلم لا تَفسُد اللحظاتُ التي يعيشها وإن كانت لحظاتٍ عابرةً. يريد الإنسان أن يكونَ خاضعاً لسلطة عليا تعطيه الأوامر لينفذها، يخاف الإنسان أن يكون سيد نفسه، أن يشكّل قوانينه بنفسه، وذلك لضعف ثقة الإنسان بقدرته، فلا يثق إلا بـ"الأوامر الإلهية"، لأن "الإله يعلم أفضل مما نعلم"، فلا بد أن تكونَ أوامرُه خيراً لنا وإن بدا عكس ذلك، لهذا يُمنع أن تُساءل التعاليم الإلهية، فالله يأمرك، فأطع كما تؤمر!


Sunday, July 19, 2020

الإيمان بالله، وقواعدُ النحو

هذا هو المقال الثالث الذي أكتبه ضمنَ سلسلةِ مقالاتٍ في علاقةِ المنظومةِ اللغوية الحاكمةِ للذهنِ البشري بالاعتقادِ بالتصوراتِ الغيبية، وأهمُّها تصورُ مفهومِ الإله. وكنتُ قد بدأتُ هذه السلسلةَ بمقالٍ تمهيدي في اللغة عموماً من حيث دورُها في تشكيلِ الفكر أولاً، وأثرُها في التواصلِ ثانياً، وأتبعتُه بمقالٍ في الفرق بين اللغةِ والملَكة اللغوية، وعملِ اللغة كمقولةٍ قبلية في العقل أو حدسٍ قَبْليّ للتصورات الحسية. وفي هذا المقال أناقش دورَ اللغةِ في تكوين تصوُّراتِنا البسيطةِ عن مفهوم "الإله"، وأثرِها في بناء الاستدلالاتِ المركبةِ لإثباتِ وجودِه، فليس بمقدورِ العقلِ في جميعِ استدلالاتِه المعقدةِ -من ضمنها الاستدلالُ على وجود إله- أن ينفكَّ عن التعبيرِ عن هذه الاستدلالاتِ عبر اللغة، من هنا تكون للّغةِ سلطةٌ تحدّدُ كيفيةَ سيرِ الاستدلالِ بطريقٍ معين، فتكون الحقيقةُ المرادُ الوصولُ إليها ناتجةً من اللغة المستعمَلة، وليست ناتجة ًبالضرورةِ من القيمةِ المعنويةِ للبرهانِ العقلي.



جميعُ تصوُّراتِنا عن الإله مقيّدةٌ باللغة التي نعبّر بها عن هذا الكائن الميتافيزيقي. وكلُّ إنسانٍ يُعبِّر بلغته الخاصةِ عن تجربته الذاتيةِ مع الإله، لذلك فليس من الممكن الجزمُ بأنّ الإلهَ الذي أتحدثُ عنه هو نفسُه الإلهُ الذي تتحدث عنه أنت، فدلالةُ لفظِ الإله في "لغتي" ليست عينَها دلالتَه في لغتك. ولا يقتصرُ هذا على مبدأ الإله فحسب، بل ينسحبُ على جميعِ المفاهيمِ غيرِ المادية عموماً، والمفاهيمِ والتصوُّراتِ الدينيةِ خصوصاً. اللغةُ هنا تبتعدُ بنا عن الحقيقةِ المُميِّزة لمفهوم الإله، لأننا عندما نتحدثُ عن الإله، فإننا لا ننفكُّ نستعملُ ذاتَ اللغةِ التي نتعامل بها للتحدثِ في أي شأن، أي أنّ اللغةَ المستعمَلةَ للتحدث عن الإله ليست لغةً خارقةً أو غيرَ مفهومة، بل إنه من الممكن القولُ إنه يستحيل ألا تكونَ اللغةُ المستعمَلةُ للتحدث عن الإله هي اللغةُ اليومية! ومما يدخل ضمنَ إطارِ التحدث عن الإله؛ التحدثُ عن صفاتِه، فالألفاظُ التي نستعملها للتعبيرِ عن صفات الإله؛ هي عينُها الألفاظُ التي نستعملها لنصفَ بها أنفسَنا! إلا أنّ لعلماءِ اللاهوت قولاً آخرَ وهو أنّ التشابهَ بين صفات الخالق والمخلوق لا يعدو كونَه تشابهاً لفظياً لا حقيقيّاً، فعندما نَصف الإلهَ بكونه رحيماً، ونَصف إنساناً بنفس الصفة، فليستِ الرحمةُ الإلهيةُِ عينَ الرحمة الإنسانية. وليست الغيريةُ مقتصرةً على الكمّ حتى يقال: الرحمةُ الإلهية أعظمُ من الإنسانية بمئة مرة! بل الخلافُ في كيفية الصفة.


الإشكال في ادّعاء كونِ التشابهِ لفظياً لا حقيقياً هو أننا عندما نَصِفُ الإلهَ بأيِّ صفة؛ صفةِ العلم مثلاً؛ فبناءً على نفي التشابه الحقيقي، لن يكونَ للَفظِ "العلم" أيُّ معنىً عند نسبَتِه إلى الإله! لكننا عندما نقول: الإلهُ يعلم كلَّ شيء؛ فإن هذا القولَ يتضمنُ تشابهاً حقيقياً، وهو ما ينفيه علماءُ اللاهوت. بهذا تكون اللغةُ بتصريف ألفاظِها وترتيب جُملها ومواقعِ الكلمات فيها؛ حاكمةً على تصوُّرِنا لمفهوم الإله. وبالتالي لا يمكننا الحديثُ عن "علم" الإله، لأن حقيقةَ هذه الصفة غائبةٌ عنا! وبالتالي لا يمكنُ بناءُ أيِّ معرفةٍ على هذه الصفة التي نجهلُ عنها كلَّ شيءٍ سوى اسمِها. ‏وقِس على ذلك كلَّ الصفاتِ المنسوبةِ للإله، بل أيَّ حديث عنه.


تمتدُّ سُلطةُ اللغةِ في هذا السياق إلى أعمقَ من مجردِ تصورِ الإله، فتُشكّلُ حتى الاستدلالاتِ العقليةَ التي يوظّفها الإلهيون في إثبات وجوده. فلهذا قد يصحُّ القولُ إن مفهومَ الإله موجودٌ في اللغة فقط، أو "موجود لغوي" في مقابلِ موجود "اعتباري" أو "انتزاعي"، والوجودُ في اللغة هو أحد الوجوداتِ الأربعة وهي: وجودٌ في الأذهان، ووجودٌ في اللسان، ووجودٌ في العيان، ووجودٌ البنان (أي الكتابة). إلا أن العلاقةَ بينهما غيرُ واضحةٍ من حيث سَبْقُ أحدِها على غيرِه، أي أنه هل يجب أن يكونَ الموجودُ موجوداً في الخارج أولاً حتى يصحَّ أن يوجدَ في الذهن واللفظ والكتابة؟ لكنني سأرجئ الحديثَ عن هذا لوقت آخر.


لو قلنا إن الاستدلالاتِ التي يستدلُّ بها الإلهيون تستمدُّ حجّيتَها من اللغة، فهذا يعني أن حُجّيةَ الدليلِ مرهونةٌ باستعمالِ هذه اللغة فقط، فلو تمَّ استعمالُ نفسِ الدليلِ بلغة أخرى لاختلفَتْ دلالتُه، ولمَا كانت له نفسُ الحجيةِ والظهورِ كما تمَّ إنتاجُه في اللغة الأولى. ففي الاستدلالِ على وجود الإله مثلاً يقال: العالَم مخلوق، فهو محتاجٌ إلى خالق، لأن "مخلوق" اسمُ مفعولٍ دالٌّ على الحاجةِ إلى فاعل، فيُستنتَج وجودُ الله بناءً على القول "العالم مخلوق" بدلاً من "العالم موجود" مثلا، أو "هناك عالم". وهذا ظاهر في اللغة الفارسية كذلك، فقولنا: "آنجا جهان هست" ليس كالقول: "جهان خلق شده است"، فالقولُ الأول إشارةٌ إلى مُطلقِ وجودِ العالم، والقول الثاني فيه فِعْلُ الخَلْقِ بصيغةِ المبنيّ للمجهول "مخلوق"، فيستحيل هنا ألا يتوجهَ الذهن ُإلى وجودِ ماهيةٍ واعيةٍ كانت سبباً في "خلق" الكون، لكنَّ هذا اللزومَ غيرُ واجبٍ في قولنا: هناك عالم. ومن ذلك أيضاً القولُ إن "الطبيعةَ" مخلوقة، لأنها في العربيةِ على وزن "فعيلة"، وهي بمعنى "مفعولة" أي "مخلوقة" فيَلزمُ وجودُ فاعلٍ "خالق". فهذا الاستدلالُ لازمٌ فقط في المنظومةِ اللغوية التي يكون فيها التصريفُ اللغويُّ ذا معنى، وفي هذه الحالةِ هي اللغةُ العربية التي تختلف فيها معاني المفرداتِ باختلاف تصريف (بنية) الكلمة، ففي هذه الحالة يكون الاستدلالُ بِكَوْنِ لفظِ "الطبيعة" على وزنِ فعيلة بمعنى مفعولة أي مخلوقة فتحتاج إلى خالق؛ استدلالٌ غير مُلزِمٍ في اللغة الإنجليزية التي تسمّي الطبيعةَ Nature، أو في اللغة التركية التي تسمي الطبيعةَ Doğa، لا يتمُّ هذا الاستدلالُ على وجودِ الإله إلا في حدودِ اللغة العربية، ولهذا فإن اللغةَ حاكمةٌ على استدلالاتِنا المُركَّبةِ كذلك وليست فقط حاكمةً على تصوراتِنا البسيطة. ومما يتّصلُ بهذا المقامِ سؤالُ الإلهيين كيف "بدأ" الخلق، لأن النظرةَ الكونيةَ الإلهيةَ مبنيّةٌ على أن العالمَ مخلوق، والخَلْقُ إيجادٌ بعدَ عدم، فلا بدَّ أن يكونَ للشيء بدايةُ وجود، من هنا جاء سؤال: كيف "بدأ" الخلق؟ ولستُ بصدد مناقشةِ هل للعالم بداية أم أنه أزلي، والإشكالاتِ التي تَرِدُ على مَن يقول بأنَّ العالَمَ مخلوقٌ وله بداية، بل غايةُ القولِ إن للّغةِ سلطةً على تشكيلِ منظومةِ الإنسانِ الفكرية بجميعِ جوانبها، وليستِ المنظومةُ الدينيةُ استثناءً. ومن الأسئلةِ التي يطرحُها الإلهيون كذلك سؤال: مَن خلق العالم؟ وهذا السؤال -كغيره من الأسئلة- سؤال موجَّه، أي أنه يحصرُ الإجابةَ في نطاق معين، فأداة السؤال هنا "مَن"، وهي في العربية سؤالٌ عن عاقل، ومثلها في الفارسية والتركية في اختلافِ أداةِ السؤال باختلاف كون الفاعلِ عاقلاً أم غيرَ عاقل ففي الفارسية "مَن = كى" و"ما = چی"، وفي التركية "من = Kim" و"ما = Ne"، ولهذا فإنَّ الجوابَ عن هذا السؤال يكون منحصراً في الماهيات العاقلة فقط، بينما لو كان السؤال: ما أوجد العالم؟ لاتّسعَ نطاق الجواب.


ومن الاستدلالاتِ المبنيّةِ على اللغة كذلك، الاستدلالُ بالهَليّة البسيطة والهَليّة المركبة في الردِّ على إشكالِ كون الوجودِ محمولاً في قضية "الله موجود"، وقد ناقشتُ هذه القضيةَ بإسهابٍ سابقاً، وناقشتُ الردَّ بالهَلية البسيطة والمركبة ولن أكررَ هنا إلا ما يرتبط بالسياق. الإشكالُ أن إسنادَ "الوجود" إلى أي ماهيةٍ يؤدي إلى تحصيلِ الحاصل، أي لا يضيفُ معنىً جديداً للماهية، لأنَّ الماهيةَ يجب أن تكونَ موجودةً قبلَ أن نُسندَ إليها صفةً ما، لهذا لا يصحُّ أن نَصِفَها بـ "الوجود". ردّ الإلهيون هذا الإشكالَ بالقولِ إن النسبةَ بين "الله" و"موجود" في قضية "الله موجود" هي من باب الهَليّة البسيطة، بعبارة أخرى، إن قضيةَ الله موجود لا تعني حملَ الوجود على الله كحملِ أيِّ صفةٍ على ماهيةٍ ما، بل تعني مُطلقَ الثبوتِ للماهيةِ في هذه القضية والتي هي "الله"، فثبوتُ الوجودِ لله من قَبيل الهَلِيّة البسيطة، أو كان التامة، التي تدلُّ على مطلقِ الثبوت، لا ثبوتِ شيءٍ لشيء.

وهذا الاستدلالُ لا يختلف عن غيرِه من حيث اعتمادُه في حُجّيّتِه على اللغةِ والتلاعبِ بالمفردات المترادفة، فليس الثبوتُ شيئا غيرَ الوجودِ والتحقق، وكونُ كان التامّةِ لا تعني نسبةَ شيء لشيء؛ لا يعني أن حملَ الوجود على الماهية لم يحصلْ فعلاً في قضية "الله موجود"، والردُّ الآخر هو القولُ بعكس الحمل، وقد ناقشتُه في مقال سابق بعنوان (عكس الحمل والهَلية البسيطة والمركبة). من هنا قلتُ إن المفاهيمَ التي بنيناها والاستدلالاتِ التي ركّبناها في إثباتِ وجودِ اللهِ ليسَت سوى تلاعبٍ باللغة، تختلفُ نتيجتُها ودلالتُها باختلافِ اللغةِ المستعمَلة، ولهذا يُنسبُ إلى نيتشه القولُ "أخشى أننا ما نزال نعتقدُ بالله لأننا ما زلنا نعتقدُ بقواعد النحو".


Monday, July 13, 2020

ما الوحي؟

يشكّل النبيُّ المحورَ الأساسَ في الدين للدور الذي يقوم به كحلقةِ وصلٍ بين الإله والبشر لإيصال رسالته إليهم. من هنا فإنه بإمكاننا أن ننظرَ للنبوة على أنها أصلُ الدين كموضوعٍ وتشريعٍ إلهي (كما في التعريف السائد للدين)، أي أنه لا يمكن معرفةُ قواعدِ الدين إلا عبرَ التشريعاتِ التي يأتي بها النبي، ولا يمكن معرفةُ ما يريده الإلهُ إلا عبرَ كلام النبي الذي ينطقُ نيابةً عن الإله. وتحدُّثُ النبيِّ باسمِ الإله يكون عبرَ الظاهرةِ الدينية المعروفة بـ "الوحي". والوحي -في الأدبيات الدينية- هو رسائل إلهية يرسلها الإله إلى النبي بتوسُّطِ ملَك، تتضمن هذه الرسائل تشريعاتٍ أو كلماتٍ وردوداً أو جُملاً وآياتٍ تشكّل في النهاية نصّاً مقدساً.


إلا أن مفهومَ الوحي لا يخلو من إشكالات عدة، أوّلها في تحديدِ ماهية الوحي. جميعُ تصوراتِنا للوحي جاءت عبر الدين، أي أننا لم نجربْ ظاهرةَ الوحي تجربةً مباشرة في الواقع، ولم ندركِ الوحيَ خارجَ نطاق الدين وخارجَ مفهوم النبوة، وفي هذا خللٌ منطقي يتمثّل بالحجة الدائرية، فالوحيُ يتعلق بالنبي (أي أن الوحيَ لا يكون بلا متعلَّق)، فلتصديقِ مبدأ الوحي لا بدّ من التصديق بالنبوة، إلا أن النبيَّ لا يكون نبياً إلا بالوحي! فهكذا لا يكون التصديقُ بالوحي إلا بعدَ التصديق بالنبوة، ولكنَّ التصديقَ بالنبوة مبنيٌّ على التصديق بمفهوم الوحي أولاً. وهذا يجرّنا إلى الحديثِ عن ماهية الوحي، فكما قلت إن الوحيَ في الأدبيات الدينية هو ملاكٌ يرسله الإله للنبي يخبره بأوامره، إلا أن هذا الوصفَ لا يخلو من إشكال كذلك، فمفهوم "الملائكة" لا نعرفه إلا من الأديان أو الأساطير والفلكلور الشعبي، فلا يصحُّ أن يدخلَ مفهوم "الملائكة" في تعريف الوحي حتى لا نقعَ في الحجةِ الدائرية ويكون الحديثُ عن الوحي والنبوة بلا معنى.


قد يقال: سبيل معرفة النبي ليس الوحي، بل المعجزة. والرد على هذا الادّعاد من وجهين: أولاً: الوحيُ يسبقُ المعجزةَ، أي أن المعجزةَ تكون على يد نبيٍّ لا على يد أي إنسان، والتسليمُ بكونه نبياً يستلزم ضمناً التسليمَ بمفهوم الوحي، لأنه لم يكن نبياً إلا بعدَ أن أوحيَ إليه، بعبارة أخرى، لا يصح التصديقُ بالمعجزة دون التصديقِ بمفهوم الوحي، ولا تصح معرفةُ النبي بالمعجزة مع عدمِ التسليم بأنه أوحي إليه. ثانياً: لم يكن اتّباعُ الناس للأنبياء بعد أن رأوا المعجزةَ مباشرة، في حالة الدين الإسلامي على الأقل، بل كان اتباعُهم للنبي لأجلِ المكانةِ الاجتماعية التي كان يتمتع بها والأخلاقِ التي يلتزم بها، لا لأجل أنّ من حوله رأى المعجزةَ مباشرة. وهذا يجرنا إلى إشكال آخر من إشكالات الوحي والنبوة، وهو أن التصديقَ بالنبي يعتمد على الإيمان المطلق بالمُدّعي من حيث إنه إنسان خيّر ذو أخلاق لا من حيث إنه نبي. وإنْ كان قد وقعَ أن آمنَ بعضُهم بالنبي بعد رؤيةِ المعجزة كما في قصة السحرة مع النبي موسى (إذا سلمنا بصحة القصة كحادثة تاريخية).


ومن إشكالات الوحي أن المفهومَ بحدّ ذاته مفهوم ديني، لا أتحدثُ عن المعنى الاصطلاحي أو الجذرِ اللغوي للكلمة، فليس المعنى اللغوي هو المراد من "الوحي" في سياق البحث هنا. وعند تحليل الوحي كظاهرةٍ فردية تحدث للإنسان الموحى إليه؛ لا يصح أن يقالَ مباشرة: هذا وحي! ولا يصح كذلك التصديقُ المباشر للإنسانِ الذي يزعم أنه يوحى إليه لمجرّد أنه ادّعى أنه يوحى إليه، ولا يصح كذلك القولُ إنه صادق لأنه نبي فلهذا يجب تصديقُه بدعوى الوحي! ففي هذا مصادرة على المطلوب، لأنه لم يثبتْ حتى الآن كونُه نبياً حتى يقال: يجب تصديقه. بل يجب أن يثبُتَ وجوبُ صِدقه بدليل خارجي، لا باعتبار أنه نبيٌّ يوحى إليه.

ادّعى مجموعة من الباحثين أن هذه الظاهرةَ التي تصيب الأنبياء، والتي تسمى بالوحي، هي مرضُ صرع الفص الصدغي، وبنوا هذه النتيجةَ من ملاحظةِ تشابه الأعراضِ التي تصيب النبيَّ أثناء تعرُّضه للحالة التي يُطلق عليها "الوحي" مع أعراضِ من شُخّصوا بهذه الحالة من رؤيتهم للأضواء وسماعِهم للأصوات التي لا يراها ولا يسمعها سواهم، والتشنجاتِ العضلية والتعرقِ والإحساسِ بالتواصل مع المطلق / الإله، إلا أنه لا يمكن الجزمُ بهذا التفسير ولا اعتمادُه اعتماداً قطعياً لتفسيرِ ظاهرة النبوة عبر التاريخ البشري، إذ يحتوي هذا التفسيرُ على عدةِ ثغراتٍ ولا يفسر بعضَ الظواهر في حياة الأنبياء، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهلُه تجاهلاً تاماً، فهو أحدُ التفسيرات الموجودة والتي أُقيمت دراساتٌ تدعمها. 


يبقى الإشكالُ قائماً في تفسير هذه الظاهرة التي تنتابُ من يدّعي النبوة، ولا يصحُّ أن يقال: هي ليست ظاهرةً طبيعية بل وحياً، ففي هذا الادعاءِ مصادرةٌ على المطلوب، إذ المطلوبُ في هذا المقام هو تحديدُ ما إذا كان الوحي أمراً موضوعياً لا تجربةً ذاتية فقط، وهذا إشكال آخر في مفهوم الوحي، وهو أنه غير قابل للتجربة إلا من قِبل من يدّعي أنه أوحيَ إليه. ولا أقصد بالتجربة هنا التجربةَ المختبريةَ، لكن مَن يدّعي النبوةَ يدّعي كذلك أنه يجرب الوحيَ حسياً، والإشكال هنا هو أن ما جرّبه مدّعي النبوة لا يمكن تجربتُه من غير المُدّعي للتأكد من صحته، من هنا فإنه لو ادّعى أحدُهم النبوةَ فلن يكونَ بالمستطاع دحضُ ادّعائه، إذ قد يقول إنه يوحى إليه، والوحي تجربة ذاتية لا يخوضها أي إنسان، ولن يكون بالإمكان تفنيدُ ادّعائهِ استقبالَ وحيٍ من عند الإله.


Saturday, July 4, 2020

ضميمة في التطبيق

ذكرتُ في المقال السابق بعنوان "الإله، بين الإيمان القلبي والاستدلال العقلي" برهانَ الحدوث الذي يعتمد عليه أغلبُ الإلهيين في إثباتهم ضرورةَ وجودِ الإله، واعتمادَ هذا البرهانِ على امتناعِ تسلسل العلل لا إلى نهاية في الزمن الماضي، وذكرتُ أن الاستدلالَ على امتناع التسلسل لا إلى نهاية يعتمد على برهانِ التطبيق والذي ينطلق من مبدأ "اللانهاية". أوردتُ في هذا المقال تقريرَ البرهانِ عند متكلمي الإسلام، وعلقتُ عليه بما ظهرَ لي من إشكالاتٍ حولَ تصوُّرِ المتكلمين لمفهوم المالانهاية. واعتمدتُ فيه على حاشيةِ إسماعيل الگلنبوي على شرح الجلال الدّوّاني على العقائد العضدية، وشرحِ المواقف بحاشية السيالكوتي والفناري، وكتابِ مصطفى صبري المشهور "موقف العقل والعلم…"، وشرحِ محيي الدين زاده على الفقه الأكبر لأبي حنيفة. ولم أجدْ في الدراساتِ الغربية ذكراً للاستدلال بالتطبيق على امتناع التسلسل، مع حضورِ برهانِ امتناع التسلسل باسمِ Infinite Regress Argument


يعتمدُ الإلهيون في إثباتِهم ضرورةَ وجودِ إلهٍ أزلي على بطلان تسلسل العلل لا إلى نهاية في الزمن الماضي، ولمّا كان كلُّ موجودٍ حادثٍ يحتاج إلى علةٍ تكون سبباً في وجوده؛ لَزِمَ انتهاءُ هذه العللِ إلى موجودٍ لا يحتاج إلى علة، يسمّيه الإلهيون "واجبَ الوجود". وفي تقريرِ امتناعِ التسلسل يذكر سعدَ الدين التفتازاني أنه "لو لم يكن في الموجودات واجبٌ لكانت بأسرها ممكنة، فيلزمُ وجودُ الممكناتِ لذواتها وهو محال (...) وأنّ كلَّ ممكنٍ لا بدّ له من فاعلٍ مستقل، أي مُستجمِعٍ لكل شرائطِ التأثير، وفاعلُ مجموعِ الممكنات لا يجوز أن يكون نفسَها". ولإثباتِ صحة بطلانِ تسلسل العلل إلى مالانهاية، أو لا إلى نهاية (وهو أدق، إذ "إلى" دالّةٌ على انتهاء الغاية، ولا غايةَ في المالانهاية)، يلجأ الإلهيونَ إلى برهانِ التطبيق الذي يدلّ على استحالة التسلسل، وهو عندهم أقوى البراهين. إلا أنه عند دراسةِ برهان التطبيق يتضحُ أنه ليس سوى لعبةٍ لغوية، فهو يكتسبُ حجيّتَه من التلاعبِ بالمصطلحات لا من الواقعِ الخارجي، كالمفارقات المنطقية والرياضية.


البرهان: لو قلنا إن هناك سلسلةً من الحوادث أو العلل ممتدةً في الزمن لا إلى نهاية، وأخذنا جزءاً من هذه السلسلة ووصلنا (طبّقنا) عناصرَها على عناصرِ السلسلة الأولى، فإن هذا سيؤدي إلى أن تكونَ السلسلةُ الأولى أكبرَ من السلسلة الجزئية، فيَنتجُ أن تكونَ مالانهاية أكبرَ من مالانهاية، وهذا مستحيل. 

البرهانُ كما يتضح مبنيٌّ على فكرةِ المالانهاية، ولا يخلو تقريرُ البرهان من عدة إشكالات، أحدها هو تصوُّرِ أنَ المالانهايةَ موجودٌ خارجي قابلٌ للقسمة. وافتراضُ أنّ المالانهاية موجودٌ قائم بذاتِه؛ ليس بدقيق، فالمالانهاية مفهومٌ ذهني لا وجودَ خارجيّاً له. ثم إن البرهانَ يفترض أنّ الزمنَ مفهومٌ مطلق وموجود قابل للقسمة وماهية مستقلة وجوهر قائم بذاته، فسلسلةُ المالانهاية في البرهان تعبّرُ عن الزمنِ في الماضي من جهة وقوعِ الحوادث (أو العلل) فيه، فلا حجيةَ في البرهان قبل تحرير مفهوم الزمن.


الگلنبوي في حاشيته على شرح العقائد العضدية يشير إلى هذا المبنى الذي يستندُ عليه برهانُ التطبيق، وهو استحالةُ وجودِ سلسلةٍ لامتناهية، وذلك لاستحالةِ وجودِ اللانهاية ضمنَ مجموعةٍ لانهائية أخرى. يقول: "لو وجد جملة (سلسلة) غير متناهية، لوجد في ضمنها جملة غير متناهية، وهذا محال (...) لأنه لو وجد جملتان غير متناهيتين، فعند تطبيق الآحاد على الآحاد، إما أن يكون بإزاء كلِّ واحدٍ من آحادِ الجملة الكبرى واحدٌ من آحادِ الجملة الصغرى، فيلزمُ مساواةُ الكلِّ للجزء، أو لا يوجد، فيلزم تناهي الجملةِ الصغرى، بل تناهي الكبرى الزائدةِ عليها بقدرٍ متناهٍ مع فرضِ لا تناهيهما، والكلُّ محالٌ فكذا وجودُهما". 

 وفي هذا نظر، فكونُ المالانهاية مجموعةً تحوي مجموعةً أخرى غير مُسلّمٍ به، لأن هذا على افتراضِ أن المالانهاية موجودٌ خارجيٌّ قابلٌ للقسمة، وليس هذا بصحيح. والبرهان قائمٌ على مقدمةٍ -قد تكون ضمنية- مفادُها أن مجموعةَ المالانهاية تتضمّن مجموعةً لانهائية أخرى، وهذا تحكّم بلا دليل، ومبناه على الغلطِ في تصور مفهوم الملانهاية، فنشأ الغلطِ في الحُكم عليها. 


يشير شارحُ المواقف -بحاشية السيالكوتي والفناري- إلى المأخذِ على البرهانِ من حيث عدم إمكانِ تصوّرِه إلا في الموجودات، والمالانهاية ليس بموجود خارجي حتى يصحَّ فيه استخلاصُ مجموعةٍ جزئية من مجموعة كلية ووَصْلُ عناصرِها ببعض كما هو الحالُ في برهانِ التطبيق. جاء في الحاشية "قوله 'ومن أنّ برهانَ التطبيقِ لا يتمُّ إلا فيما ضبطَه وجودٌ' في بحث، لأن الظاهرَ أنّ مرادَ المُنكِر لإمكانِ غير المتناهي من الأنواع أنه لو أمكن؛ لم يلزم من وجودِه محال، واللازم باطل، لأنه على تقدير وجوده يجري فيه برهانُ التطبيق، لعدمِ اشتراطِ الترتُّبِ فيه عند المتكلمين كما سبق، وحينئذٍ يلزم أحدُ المُحالَيْن: إما مساواةُ الناقصِ الزائدَ، أو تناهي ما فُرِضَ غيرَ متناهٍ.."


ينقل مصطفى صبري عن الكشميري أنّ برهانَ التطبيق لا يجري في معلوماتِ الله مع كونها لا متناهية.  وفي هذا مصادرةٌ على المطلوب من الكشميري، فالبرهانُ وُضعَ أصلاً لإثبات وجود الله، وعِلمُ الله فرعُ ثبوتِ أصلِ وجودِه، فلا معنى لمناقشةِ سؤال هل يجري البرهانُ في معلومات الله أم لا! يقول صبري: "وخصّه أي البرهانَ باللامتناهي السّيالِ إخراجاً لمعلوماتِ الله عن مجراه، وهذا التأويلُ يرجع إلى اختيارِ قول الفلاسفة في أحدِ الشرطين الزائدِ لبطلان التسلسل وهو شرطُ الترتيب، لكنّ الحقَّ أن قولَ العالِمِ المذكور (...) كله من قبيل تخصيصِ الأدلةِ العقليةِ التي يفسدها، لأن برهانَ التطبيقِ يجري في إبطالِ اللامتناهي مطلقاً.


الفكرةُ المغلوطة التي يستند عليها البرهان هي انطلاقُه من مبدأ تجزّؤ سلسلةِ المالانهاية إلى سلسلةٍ أخرى أصغر، وفي هذا تَحَكُّمٌ بمقدمةِ الدليل لضمانِ أن تكونَ نتيجة ُالبرهانِ مطابقةً للاعتقادِ المُسبَق. فمبدأ تجزّؤ سلسلةِ المالانهاية بحدِّ ذاته ينطوي على نقضٍ ذاتي، فلا معنى لتجزّؤ المالانهاية سوى أنّ المالانهاية صارت محدودةً، وهذا محال، وهو ما قصَدْتُهُ بالتحكمِ في مقدمة الدليل، فكون المالانهاية قد تجّزأتْ يعني أنّ المالانهاية صارت متناهيةً، وهو محال، ولا يصحُّ أن تكونَ مقدمةُ الدليل مبنيّةً على فرضٍ مُحال.

قد يقال: فرضُ المحال ليس بمحال. وهذا صحيح، على المستوى الذهني على الأقل، إلا أنّ المفترضَ من هذا البرهانِ هو دلالتُه على وجودِ إله، الذي هو جوهرُ الإيمان عند الإلهيين، ولا يصحُّ أن يكونَ جوهرُ الإيمان مبنيّاً على فرضِ محالٍ واحتمال، بل لا بدّ من أن يكونَ مؤسَّساً على حقائقَ يقينيةٍ دالّةٍ على مدلولِها دلالةً قطعيةً لا تَحتمِلُ الظّنَّ الاحتمال. ولمّا كان برهانُ التطبيقِ الذي يُرتجى منه إبطالُ التسلسل مبنيّاً على مبدأ تناهي المالانهاية؛ لم يكن صالحاً للاعتمادِ عليه والاستدلالِ به.