ذكرتُ في المقال السابق بعنوان "الإله، بين الإيمان القلبي والاستدلال العقلي" برهانَ الحدوث الذي يعتمد عليه أغلبُ الإلهيين في إثباتهم ضرورةَ وجودِ الإله، واعتمادَ هذا البرهانِ على امتناعِ تسلسل العلل لا إلى نهاية في الزمن الماضي، وذكرتُ أن الاستدلالَ على امتناع التسلسل لا إلى نهاية يعتمد على برهانِ التطبيق والذي ينطلق من مبدأ "اللانهاية". أوردتُ في هذا المقال تقريرَ البرهانِ عند متكلمي الإسلام، وعلقتُ عليه بما ظهرَ لي من إشكالاتٍ حولَ تصوُّرِ المتكلمين لمفهوم المالانهاية. واعتمدتُ فيه على حاشيةِ إسماعيل الگلنبوي على شرح الجلال الدّوّاني على العقائد العضدية، وشرحِ المواقف بحاشية السيالكوتي والفناري، وكتابِ مصطفى صبري المشهور "موقف العقل والعلم…"، وشرحِ محيي الدين زاده على الفقه الأكبر لأبي حنيفة. ولم أجدْ في الدراساتِ الغربية ذكراً للاستدلال بالتطبيق على امتناع التسلسل، مع حضورِ برهانِ امتناع التسلسل باسمِ Infinite Regress Argument
يعتمدُ الإلهيون في إثباتِهم ضرورةَ وجودِ إلهٍ أزلي على بطلان تسلسل العلل لا إلى نهاية في الزمن الماضي، ولمّا كان كلُّ موجودٍ حادثٍ يحتاج إلى علةٍ تكون سبباً في وجوده؛ لَزِمَ انتهاءُ هذه العللِ إلى موجودٍ لا يحتاج إلى علة، يسمّيه الإلهيون "واجبَ الوجود". وفي تقريرِ امتناعِ التسلسل يذكر سعدَ الدين التفتازاني أنه "لو لم يكن في الموجودات واجبٌ لكانت بأسرها ممكنة، فيلزمُ وجودُ الممكناتِ لذواتها وهو محال (...) وأنّ كلَّ ممكنٍ لا بدّ له من فاعلٍ مستقل، أي مُستجمِعٍ لكل شرائطِ التأثير، وفاعلُ مجموعِ الممكنات لا يجوز أن يكون نفسَها". ولإثباتِ صحة بطلانِ تسلسل العلل إلى مالانهاية، أو لا إلى نهاية (وهو أدق، إذ "إلى" دالّةٌ على انتهاء الغاية، ولا غايةَ في المالانهاية)، يلجأ الإلهيونَ إلى برهانِ التطبيق الذي يدلّ على استحالة التسلسل، وهو عندهم أقوى البراهين. إلا أنه عند دراسةِ برهان التطبيق يتضحُ أنه ليس سوى لعبةٍ لغوية، فهو يكتسبُ حجيّتَه من التلاعبِ بالمصطلحات لا من الواقعِ الخارجي، كالمفارقات المنطقية والرياضية.
البرهان: لو قلنا إن هناك سلسلةً من الحوادث أو العلل ممتدةً في الزمن لا إلى نهاية، وأخذنا جزءاً من هذه السلسلة ووصلنا (طبّقنا) عناصرَها على عناصرِ السلسلة الأولى، فإن هذا سيؤدي إلى أن تكونَ السلسلةُ الأولى أكبرَ من السلسلة الجزئية، فيَنتجُ أن تكونَ مالانهاية أكبرَ من مالانهاية، وهذا مستحيل.
البرهانُ كما يتضح مبنيٌّ على فكرةِ المالانهاية، ولا يخلو تقريرُ البرهان من عدة إشكالات، أحدها هو تصوُّرِ أنَ المالانهايةَ موجودٌ خارجي قابلٌ للقسمة. وافتراضُ أنّ المالانهاية موجودٌ قائم بذاتِه؛ ليس بدقيق، فالمالانهاية مفهومٌ ذهني لا وجودَ خارجيّاً له. ثم إن البرهانَ يفترض أنّ الزمنَ مفهومٌ مطلق وموجود قابل للقسمة وماهية مستقلة وجوهر قائم بذاته، فسلسلةُ المالانهاية في البرهان تعبّرُ عن الزمنِ في الماضي من جهة وقوعِ الحوادث (أو العلل) فيه، فلا حجيةَ في البرهان قبل تحرير مفهوم الزمن.
الگلنبوي في حاشيته على شرح العقائد العضدية يشير إلى هذا المبنى الذي يستندُ عليه برهانُ التطبيق، وهو استحالةُ وجودِ سلسلةٍ لامتناهية، وذلك لاستحالةِ وجودِ اللانهاية ضمنَ مجموعةٍ لانهائية أخرى. يقول: "لو وجد جملة (سلسلة) غير متناهية، لوجد في ضمنها جملة غير متناهية، وهذا محال (...) لأنه لو وجد جملتان غير متناهيتين، فعند تطبيق الآحاد على الآحاد، إما أن يكون بإزاء كلِّ واحدٍ من آحادِ الجملة الكبرى واحدٌ من آحادِ الجملة الصغرى، فيلزمُ مساواةُ الكلِّ للجزء، أو لا يوجد، فيلزم تناهي الجملةِ الصغرى، بل تناهي الكبرى الزائدةِ عليها بقدرٍ متناهٍ مع فرضِ لا تناهيهما، والكلُّ محالٌ فكذا وجودُهما".
وفي هذا نظر، فكونُ المالانهاية مجموعةً تحوي مجموعةً أخرى غير مُسلّمٍ به، لأن هذا على افتراضِ أن المالانهاية موجودٌ خارجيٌّ قابلٌ للقسمة، وليس هذا بصحيح. والبرهان قائمٌ على مقدمةٍ -قد تكون ضمنية- مفادُها أن مجموعةَ المالانهاية تتضمّن مجموعةً لانهائية أخرى، وهذا تحكّم بلا دليل، ومبناه على الغلطِ في تصور مفهوم الملانهاية، فنشأ الغلطِ في الحُكم عليها.
يشير شارحُ المواقف -بحاشية السيالكوتي والفناري- إلى المأخذِ على البرهانِ من حيث عدم إمكانِ تصوّرِه إلا في الموجودات، والمالانهاية ليس بموجود خارجي حتى يصحَّ فيه استخلاصُ مجموعةٍ جزئية من مجموعة كلية ووَصْلُ عناصرِها ببعض كما هو الحالُ في برهانِ التطبيق. جاء في الحاشية "قوله 'ومن أنّ برهانَ التطبيقِ لا يتمُّ إلا فيما ضبطَه وجودٌ' في بحث، لأن الظاهرَ أنّ مرادَ المُنكِر لإمكانِ غير المتناهي من الأنواع أنه لو أمكن؛ لم يلزم من وجودِه محال، واللازم باطل، لأنه على تقدير وجوده يجري فيه برهانُ التطبيق، لعدمِ اشتراطِ الترتُّبِ فيه عند المتكلمين كما سبق، وحينئذٍ يلزم أحدُ المُحالَيْن: إما مساواةُ الناقصِ الزائدَ، أو تناهي ما فُرِضَ غيرَ متناهٍ.."
ينقل مصطفى صبري عن الكشميري أنّ برهانَ التطبيق لا يجري في معلوماتِ الله مع كونها لا متناهية. وفي هذا مصادرةٌ على المطلوب من الكشميري، فالبرهانُ وُضعَ أصلاً لإثبات وجود الله، وعِلمُ الله فرعُ ثبوتِ أصلِ وجودِه، فلا معنى لمناقشةِ سؤال هل يجري البرهانُ في معلومات الله أم لا! يقول صبري: "وخصّه أي البرهانَ باللامتناهي السّيالِ إخراجاً لمعلوماتِ الله عن مجراه، وهذا التأويلُ يرجع إلى اختيارِ قول الفلاسفة في أحدِ الشرطين الزائدِ لبطلان التسلسل وهو شرطُ الترتيب، لكنّ الحقَّ أن قولَ العالِمِ المذكور (...) كله من قبيل تخصيصِ الأدلةِ العقليةِ التي يفسدها، لأن برهانَ التطبيقِ يجري في إبطالِ اللامتناهي مطلقاً.
الفكرةُ المغلوطة التي يستند عليها البرهان هي انطلاقُه من مبدأ تجزّؤ سلسلةِ المالانهاية إلى سلسلةٍ أخرى أصغر، وفي هذا تَحَكُّمٌ بمقدمةِ الدليل لضمانِ أن تكونَ نتيجة ُالبرهانِ مطابقةً للاعتقادِ المُسبَق. فمبدأ تجزّؤ سلسلةِ المالانهاية بحدِّ ذاته ينطوي على نقضٍ ذاتي، فلا معنى لتجزّؤ المالانهاية سوى أنّ المالانهاية صارت محدودةً، وهذا محال، وهو ما قصَدْتُهُ بالتحكمِ في مقدمة الدليل، فكون المالانهاية قد تجّزأتْ يعني أنّ المالانهاية صارت متناهيةً، وهو محال، ولا يصحُّ أن تكونَ مقدمةُ الدليل مبنيّةً على فرضٍ مُحال.
قد يقال: فرضُ المحال ليس بمحال. وهذا صحيح، على المستوى الذهني على الأقل، إلا أنّ المفترضَ من هذا البرهانِ هو دلالتُه على وجودِ إله، الذي هو جوهرُ الإيمان عند الإلهيين، ولا يصحُّ أن يكونَ جوهرُ الإيمان مبنيّاً على فرضِ محالٍ واحتمال، بل لا بدّ من أن يكونَ مؤسَّساً على حقائقَ يقينيةٍ دالّةٍ على مدلولِها دلالةً قطعيةً لا تَحتمِلُ الظّنَّ الاحتمال. ولمّا كان برهانُ التطبيقِ الذي يُرتجى منه إبطالُ التسلسل مبنيّاً على مبدأ تناهي المالانهاية؛ لم يكن صالحاً للاعتمادِ عليه والاستدلالِ به.
No comments:
Post a Comment