Sunday, July 19, 2020

الإيمان بالله، وقواعدُ النحو

هذا هو المقال الثالث الذي أكتبه ضمنَ سلسلةِ مقالاتٍ في علاقةِ المنظومةِ اللغوية الحاكمةِ للذهنِ البشري بالاعتقادِ بالتصوراتِ الغيبية، وأهمُّها تصورُ مفهومِ الإله. وكنتُ قد بدأتُ هذه السلسلةَ بمقالٍ تمهيدي في اللغة عموماً من حيث دورُها في تشكيلِ الفكر أولاً، وأثرُها في التواصلِ ثانياً، وأتبعتُه بمقالٍ في الفرق بين اللغةِ والملَكة اللغوية، وعملِ اللغة كمقولةٍ قبلية في العقل أو حدسٍ قَبْليّ للتصورات الحسية. وفي هذا المقال أناقش دورَ اللغةِ في تكوين تصوُّراتِنا البسيطةِ عن مفهوم "الإله"، وأثرِها في بناء الاستدلالاتِ المركبةِ لإثباتِ وجودِه، فليس بمقدورِ العقلِ في جميعِ استدلالاتِه المعقدةِ -من ضمنها الاستدلالُ على وجود إله- أن ينفكَّ عن التعبيرِ عن هذه الاستدلالاتِ عبر اللغة، من هنا تكون للّغةِ سلطةٌ تحدّدُ كيفيةَ سيرِ الاستدلالِ بطريقٍ معين، فتكون الحقيقةُ المرادُ الوصولُ إليها ناتجةً من اللغة المستعمَلة، وليست ناتجة ًبالضرورةِ من القيمةِ المعنويةِ للبرهانِ العقلي.



جميعُ تصوُّراتِنا عن الإله مقيّدةٌ باللغة التي نعبّر بها عن هذا الكائن الميتافيزيقي. وكلُّ إنسانٍ يُعبِّر بلغته الخاصةِ عن تجربته الذاتيةِ مع الإله، لذلك فليس من الممكن الجزمُ بأنّ الإلهَ الذي أتحدثُ عنه هو نفسُه الإلهُ الذي تتحدث عنه أنت، فدلالةُ لفظِ الإله في "لغتي" ليست عينَها دلالتَه في لغتك. ولا يقتصرُ هذا على مبدأ الإله فحسب، بل ينسحبُ على جميعِ المفاهيمِ غيرِ المادية عموماً، والمفاهيمِ والتصوُّراتِ الدينيةِ خصوصاً. اللغةُ هنا تبتعدُ بنا عن الحقيقةِ المُميِّزة لمفهوم الإله، لأننا عندما نتحدثُ عن الإله، فإننا لا ننفكُّ نستعملُ ذاتَ اللغةِ التي نتعامل بها للتحدثِ في أي شأن، أي أنّ اللغةَ المستعمَلةَ للتحدث عن الإله ليست لغةً خارقةً أو غيرَ مفهومة، بل إنه من الممكن القولُ إنه يستحيل ألا تكونَ اللغةُ المستعمَلةُ للتحدث عن الإله هي اللغةُ اليومية! ومما يدخل ضمنَ إطارِ التحدث عن الإله؛ التحدثُ عن صفاتِه، فالألفاظُ التي نستعملها للتعبيرِ عن صفات الإله؛ هي عينُها الألفاظُ التي نستعملها لنصفَ بها أنفسَنا! إلا أنّ لعلماءِ اللاهوت قولاً آخرَ وهو أنّ التشابهَ بين صفات الخالق والمخلوق لا يعدو كونَه تشابهاً لفظياً لا حقيقيّاً، فعندما نَصف الإلهَ بكونه رحيماً، ونَصف إنساناً بنفس الصفة، فليستِ الرحمةُ الإلهيةُِ عينَ الرحمة الإنسانية. وليست الغيريةُ مقتصرةً على الكمّ حتى يقال: الرحمةُ الإلهية أعظمُ من الإنسانية بمئة مرة! بل الخلافُ في كيفية الصفة.


الإشكال في ادّعاء كونِ التشابهِ لفظياً لا حقيقياً هو أننا عندما نَصِفُ الإلهَ بأيِّ صفة؛ صفةِ العلم مثلاً؛ فبناءً على نفي التشابه الحقيقي، لن يكونَ للَفظِ "العلم" أيُّ معنىً عند نسبَتِه إلى الإله! لكننا عندما نقول: الإلهُ يعلم كلَّ شيء؛ فإن هذا القولَ يتضمنُ تشابهاً حقيقياً، وهو ما ينفيه علماءُ اللاهوت. بهذا تكون اللغةُ بتصريف ألفاظِها وترتيب جُملها ومواقعِ الكلمات فيها؛ حاكمةً على تصوُّرِنا لمفهوم الإله. وبالتالي لا يمكننا الحديثُ عن "علم" الإله، لأن حقيقةَ هذه الصفة غائبةٌ عنا! وبالتالي لا يمكنُ بناءُ أيِّ معرفةٍ على هذه الصفة التي نجهلُ عنها كلَّ شيءٍ سوى اسمِها. ‏وقِس على ذلك كلَّ الصفاتِ المنسوبةِ للإله، بل أيَّ حديث عنه.


تمتدُّ سُلطةُ اللغةِ في هذا السياق إلى أعمقَ من مجردِ تصورِ الإله، فتُشكّلُ حتى الاستدلالاتِ العقليةَ التي يوظّفها الإلهيون في إثبات وجوده. فلهذا قد يصحُّ القولُ إن مفهومَ الإله موجودٌ في اللغة فقط، أو "موجود لغوي" في مقابلِ موجود "اعتباري" أو "انتزاعي"، والوجودُ في اللغة هو أحد الوجوداتِ الأربعة وهي: وجودٌ في الأذهان، ووجودٌ في اللسان، ووجودٌ في العيان، ووجودٌ البنان (أي الكتابة). إلا أن العلاقةَ بينهما غيرُ واضحةٍ من حيث سَبْقُ أحدِها على غيرِه، أي أنه هل يجب أن يكونَ الموجودُ موجوداً في الخارج أولاً حتى يصحَّ أن يوجدَ في الذهن واللفظ والكتابة؟ لكنني سأرجئ الحديثَ عن هذا لوقت آخر.


لو قلنا إن الاستدلالاتِ التي يستدلُّ بها الإلهيون تستمدُّ حجّيتَها من اللغة، فهذا يعني أن حُجّيةَ الدليلِ مرهونةٌ باستعمالِ هذه اللغة فقط، فلو تمَّ استعمالُ نفسِ الدليلِ بلغة أخرى لاختلفَتْ دلالتُه، ولمَا كانت له نفسُ الحجيةِ والظهورِ كما تمَّ إنتاجُه في اللغة الأولى. ففي الاستدلالِ على وجود الإله مثلاً يقال: العالَم مخلوق، فهو محتاجٌ إلى خالق، لأن "مخلوق" اسمُ مفعولٍ دالٌّ على الحاجةِ إلى فاعل، فيُستنتَج وجودُ الله بناءً على القول "العالم مخلوق" بدلاً من "العالم موجود" مثلا، أو "هناك عالم". وهذا ظاهر في اللغة الفارسية كذلك، فقولنا: "آنجا جهان هست" ليس كالقول: "جهان خلق شده است"، فالقولُ الأول إشارةٌ إلى مُطلقِ وجودِ العالم، والقول الثاني فيه فِعْلُ الخَلْقِ بصيغةِ المبنيّ للمجهول "مخلوق"، فيستحيل هنا ألا يتوجهَ الذهن ُإلى وجودِ ماهيةٍ واعيةٍ كانت سبباً في "خلق" الكون، لكنَّ هذا اللزومَ غيرُ واجبٍ في قولنا: هناك عالم. ومن ذلك أيضاً القولُ إن "الطبيعةَ" مخلوقة، لأنها في العربيةِ على وزن "فعيلة"، وهي بمعنى "مفعولة" أي "مخلوقة" فيَلزمُ وجودُ فاعلٍ "خالق". فهذا الاستدلالُ لازمٌ فقط في المنظومةِ اللغوية التي يكون فيها التصريفُ اللغويُّ ذا معنى، وفي هذه الحالةِ هي اللغةُ العربية التي تختلف فيها معاني المفرداتِ باختلاف تصريف (بنية) الكلمة، ففي هذه الحالة يكون الاستدلالُ بِكَوْنِ لفظِ "الطبيعة" على وزنِ فعيلة بمعنى مفعولة أي مخلوقة فتحتاج إلى خالق؛ استدلالٌ غير مُلزِمٍ في اللغة الإنجليزية التي تسمّي الطبيعةَ Nature، أو في اللغة التركية التي تسمي الطبيعةَ Doğa، لا يتمُّ هذا الاستدلالُ على وجودِ الإله إلا في حدودِ اللغة العربية، ولهذا فإن اللغةَ حاكمةٌ على استدلالاتِنا المُركَّبةِ كذلك وليست فقط حاكمةً على تصوراتِنا البسيطة. ومما يتّصلُ بهذا المقامِ سؤالُ الإلهيين كيف "بدأ" الخلق، لأن النظرةَ الكونيةَ الإلهيةَ مبنيّةٌ على أن العالمَ مخلوق، والخَلْقُ إيجادٌ بعدَ عدم، فلا بدَّ أن يكونَ للشيء بدايةُ وجود، من هنا جاء سؤال: كيف "بدأ" الخلق؟ ولستُ بصدد مناقشةِ هل للعالم بداية أم أنه أزلي، والإشكالاتِ التي تَرِدُ على مَن يقول بأنَّ العالَمَ مخلوقٌ وله بداية، بل غايةُ القولِ إن للّغةِ سلطةً على تشكيلِ منظومةِ الإنسانِ الفكرية بجميعِ جوانبها، وليستِ المنظومةُ الدينيةُ استثناءً. ومن الأسئلةِ التي يطرحُها الإلهيون كذلك سؤال: مَن خلق العالم؟ وهذا السؤال -كغيره من الأسئلة- سؤال موجَّه، أي أنه يحصرُ الإجابةَ في نطاق معين، فأداة السؤال هنا "مَن"، وهي في العربية سؤالٌ عن عاقل، ومثلها في الفارسية والتركية في اختلافِ أداةِ السؤال باختلاف كون الفاعلِ عاقلاً أم غيرَ عاقل ففي الفارسية "مَن = كى" و"ما = چی"، وفي التركية "من = Kim" و"ما = Ne"، ولهذا فإنَّ الجوابَ عن هذا السؤال يكون منحصراً في الماهيات العاقلة فقط، بينما لو كان السؤال: ما أوجد العالم؟ لاتّسعَ نطاق الجواب.


ومن الاستدلالاتِ المبنيّةِ على اللغة كذلك، الاستدلالُ بالهَليّة البسيطة والهَليّة المركبة في الردِّ على إشكالِ كون الوجودِ محمولاً في قضية "الله موجود"، وقد ناقشتُ هذه القضيةَ بإسهابٍ سابقاً، وناقشتُ الردَّ بالهَلية البسيطة والمركبة ولن أكررَ هنا إلا ما يرتبط بالسياق. الإشكالُ أن إسنادَ "الوجود" إلى أي ماهيةٍ يؤدي إلى تحصيلِ الحاصل، أي لا يضيفُ معنىً جديداً للماهية، لأنَّ الماهيةَ يجب أن تكونَ موجودةً قبلَ أن نُسندَ إليها صفةً ما، لهذا لا يصحُّ أن نَصِفَها بـ "الوجود". ردّ الإلهيون هذا الإشكالَ بالقولِ إن النسبةَ بين "الله" و"موجود" في قضية "الله موجود" هي من باب الهَليّة البسيطة، بعبارة أخرى، إن قضيةَ الله موجود لا تعني حملَ الوجود على الله كحملِ أيِّ صفةٍ على ماهيةٍ ما، بل تعني مُطلقَ الثبوتِ للماهيةِ في هذه القضية والتي هي "الله"، فثبوتُ الوجودِ لله من قَبيل الهَلِيّة البسيطة، أو كان التامة، التي تدلُّ على مطلقِ الثبوت، لا ثبوتِ شيءٍ لشيء.

وهذا الاستدلالُ لا يختلف عن غيرِه من حيث اعتمادُه في حُجّيّتِه على اللغةِ والتلاعبِ بالمفردات المترادفة، فليس الثبوتُ شيئا غيرَ الوجودِ والتحقق، وكونُ كان التامّةِ لا تعني نسبةَ شيء لشيء؛ لا يعني أن حملَ الوجود على الماهية لم يحصلْ فعلاً في قضية "الله موجود"، والردُّ الآخر هو القولُ بعكس الحمل، وقد ناقشتُه في مقال سابق بعنوان (عكس الحمل والهَلية البسيطة والمركبة). من هنا قلتُ إن المفاهيمَ التي بنيناها والاستدلالاتِ التي ركّبناها في إثباتِ وجودِ اللهِ ليسَت سوى تلاعبٍ باللغة، تختلفُ نتيجتُها ودلالتُها باختلافِ اللغةِ المستعمَلة، ولهذا يُنسبُ إلى نيتشه القولُ "أخشى أننا ما نزال نعتقدُ بالله لأننا ما زلنا نعتقدُ بقواعد النحو".


No comments:

Post a Comment