يشكّل النبيُّ المحورَ الأساسَ في الدين للدور الذي يقوم به كحلقةِ وصلٍ بين الإله والبشر لإيصال رسالته إليهم. من هنا فإنه بإمكاننا أن ننظرَ للنبوة على أنها أصلُ الدين كموضوعٍ وتشريعٍ إلهي (كما في التعريف السائد للدين)، أي أنه لا يمكن معرفةُ قواعدِ الدين إلا عبرَ التشريعاتِ التي يأتي بها النبي، ولا يمكن معرفةُ ما يريده الإلهُ إلا عبرَ كلام النبي الذي ينطقُ نيابةً عن الإله. وتحدُّثُ النبيِّ باسمِ الإله يكون عبرَ الظاهرةِ الدينية المعروفة بـ "الوحي". والوحي -في الأدبيات الدينية- هو رسائل إلهية يرسلها الإله إلى النبي بتوسُّطِ ملَك، تتضمن هذه الرسائل تشريعاتٍ أو كلماتٍ وردوداً أو جُملاً وآياتٍ تشكّل في النهاية نصّاً مقدساً.
إلا أن مفهومَ الوحي لا يخلو من إشكالات عدة، أوّلها في تحديدِ ماهية الوحي. جميعُ تصوراتِنا للوحي جاءت عبر الدين، أي أننا لم نجربْ ظاهرةَ الوحي تجربةً مباشرة في الواقع، ولم ندركِ الوحيَ خارجَ نطاق الدين وخارجَ مفهوم النبوة، وفي هذا خللٌ منطقي يتمثّل بالحجة الدائرية، فالوحيُ يتعلق بالنبي (أي أن الوحيَ لا يكون بلا متعلَّق)، فلتصديقِ مبدأ الوحي لا بدّ من التصديق بالنبوة، إلا أن النبيَّ لا يكون نبياً إلا بالوحي! فهكذا لا يكون التصديقُ بالوحي إلا بعدَ التصديق بالنبوة، ولكنَّ التصديقَ بالنبوة مبنيٌّ على التصديق بمفهوم الوحي أولاً. وهذا يجرّنا إلى الحديثِ عن ماهية الوحي، فكما قلت إن الوحيَ في الأدبيات الدينية هو ملاكٌ يرسله الإله للنبي يخبره بأوامره، إلا أن هذا الوصفَ لا يخلو من إشكال كذلك، فمفهوم "الملائكة" لا نعرفه إلا من الأديان أو الأساطير والفلكلور الشعبي، فلا يصحُّ أن يدخلَ مفهوم "الملائكة" في تعريف الوحي حتى لا نقعَ في الحجةِ الدائرية ويكون الحديثُ عن الوحي والنبوة بلا معنى.
قد يقال: سبيل معرفة النبي ليس الوحي، بل المعجزة. والرد على هذا الادّعاد من وجهين: أولاً: الوحيُ يسبقُ المعجزةَ، أي أن المعجزةَ تكون على يد نبيٍّ لا على يد أي إنسان، والتسليمُ بكونه نبياً يستلزم ضمناً التسليمَ بمفهوم الوحي، لأنه لم يكن نبياً إلا بعدَ أن أوحيَ إليه، بعبارة أخرى، لا يصح التصديقُ بالمعجزة دون التصديقِ بمفهوم الوحي، ولا تصح معرفةُ النبي بالمعجزة مع عدمِ التسليم بأنه أوحي إليه. ثانياً: لم يكن اتّباعُ الناس للأنبياء بعد أن رأوا المعجزةَ مباشرة، في حالة الدين الإسلامي على الأقل، بل كان اتباعُهم للنبي لأجلِ المكانةِ الاجتماعية التي كان يتمتع بها والأخلاقِ التي يلتزم بها، لا لأجل أنّ من حوله رأى المعجزةَ مباشرة. وهذا يجرنا إلى إشكال آخر من إشكالات الوحي والنبوة، وهو أن التصديقَ بالنبي يعتمد على الإيمان المطلق بالمُدّعي من حيث إنه إنسان خيّر ذو أخلاق لا من حيث إنه نبي. وإنْ كان قد وقعَ أن آمنَ بعضُهم بالنبي بعد رؤيةِ المعجزة كما في قصة السحرة مع النبي موسى (إذا سلمنا بصحة القصة كحادثة تاريخية).
ومن إشكالات الوحي أن المفهومَ بحدّ ذاته مفهوم ديني، لا أتحدثُ عن المعنى الاصطلاحي أو الجذرِ اللغوي للكلمة، فليس المعنى اللغوي هو المراد من "الوحي" في سياق البحث هنا. وعند تحليل الوحي كظاهرةٍ فردية تحدث للإنسان الموحى إليه؛ لا يصح أن يقالَ مباشرة: هذا وحي! ولا يصح كذلك التصديقُ المباشر للإنسانِ الذي يزعم أنه يوحى إليه لمجرّد أنه ادّعى أنه يوحى إليه، ولا يصح كذلك القولُ إنه صادق لأنه نبي فلهذا يجب تصديقُه بدعوى الوحي! ففي هذا مصادرة على المطلوب، لأنه لم يثبتْ حتى الآن كونُه نبياً حتى يقال: يجب تصديقه. بل يجب أن يثبُتَ وجوبُ صِدقه بدليل خارجي، لا باعتبار أنه نبيٌّ يوحى إليه.
ادّعى مجموعة من الباحثين أن هذه الظاهرةَ التي تصيب الأنبياء، والتي تسمى بالوحي، هي مرضُ صرع الفص الصدغي، وبنوا هذه النتيجةَ من ملاحظةِ تشابه الأعراضِ التي تصيب النبيَّ أثناء تعرُّضه للحالة التي يُطلق عليها "الوحي" مع أعراضِ من شُخّصوا بهذه الحالة من رؤيتهم للأضواء وسماعِهم للأصوات التي لا يراها ولا يسمعها سواهم، والتشنجاتِ العضلية والتعرقِ والإحساسِ بالتواصل مع المطلق / الإله، إلا أنه لا يمكن الجزمُ بهذا التفسير ولا اعتمادُه اعتماداً قطعياً لتفسيرِ ظاهرة النبوة عبر التاريخ البشري، إذ يحتوي هذا التفسيرُ على عدةِ ثغراتٍ ولا يفسر بعضَ الظواهر في حياة الأنبياء، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهلُه تجاهلاً تاماً، فهو أحدُ التفسيرات الموجودة والتي أُقيمت دراساتٌ تدعمها.
يبقى الإشكالُ قائماً في تفسير هذه الظاهرة التي تنتابُ من يدّعي النبوة، ولا يصحُّ أن يقال: هي ليست ظاهرةً طبيعية بل وحياً، ففي هذا الادعاءِ مصادرةٌ على المطلوب، إذ المطلوبُ في هذا المقام هو تحديدُ ما إذا كان الوحي أمراً موضوعياً لا تجربةً ذاتية فقط، وهذا إشكال آخر في مفهوم الوحي، وهو أنه غير قابل للتجربة إلا من قِبل من يدّعي أنه أوحيَ إليه. ولا أقصد بالتجربة هنا التجربةَ المختبريةَ، لكن مَن يدّعي النبوةَ يدّعي كذلك أنه يجرب الوحيَ حسياً، والإشكال هنا هو أن ما جرّبه مدّعي النبوة لا يمكن تجربتُه من غير المُدّعي للتأكد من صحته، من هنا فإنه لو ادّعى أحدُهم النبوةَ فلن يكونَ بالمستطاع دحضُ ادّعائه، إذ قد يقول إنه يوحى إليه، والوحي تجربة ذاتية لا يخوضها أي إنسان، ولن يكون بالإمكان تفنيدُ ادّعائهِ استقبالَ وحيٍ من عند الإله.
No comments:
Post a Comment