في هذا المقال أناقش أشهرَ الردود على الإشكال الوارد على القضايا التي يكون فيها الوجود محمولاً. الرد الأول هو القول بعكس الحمل، والرد الثاني هو في التفريق بين الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة. وقسّمتُ المقال -لطولِه- لثلاثةِ أجزاء مرقّمة للتسهيل. في الجزء الأول وضّحتُ الإشكالَ المرادَ حلّه وهو كون الوجود محمولاً في القضايا أو الجُمَل، والإشكالَ في القول إن "الله موجود". وفي القسم الثاني بيَّنتُ عدمَ صحة حمل الوجود على الماهية في قضية "الله موجود"، وعدمَ صحة القول إن "ماهيّةَ الله هي وجود" وما ينبني عليه من القول بمبدأ "واجب الوجود". وخَلَصتُ إلى نتيجتين: الأولى أن القول بأن وجود الله هو ماهيته (أو جزء من ماهيته) غير دقيق، ولا يتوافق وما تحمله دلالةُ مفهومِ "الماهية" من معنى، ومن حيث اختلاف معنى الماهية عن الوجود، والثانيةِ أن القول بأن وجود الله منفك عن الماهية يلغي مبدأ واجب الوجود. وفي القسم الثالث ذكرت حلّ إشكالِ حملِ الوجود على الماهية، وهو القولُ بعكس الحمل، والتفريقُ بين الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة، وناقشتُ كِلا الرّديْن وبيّنتُ الإشكالَ فيهما.
١
ينتهي البحثُ في مسألة وجود الإله إلى نتيجتين، إما إلى قضية "الله موجود"، أو "الله غير موجود". إلا أنّ الإشكالَ في قضية "الله موجود" (وما يقال في القضية المُثبَتة يقال في المنفية) هو كون الوجودِ محمولاً فيها. بعبارة أخرى، جاء "الوجود" في هذه القضية كـ "صفة" للموصوف (الماهية) وهو "الله". لكن مجيءَ الوجودِ محمولاً في في هذه القضية لا معنى له، إذ إنه لا يُضيف أيَّ معنىً زائدٍ على الماهية في القضية (والماهية هنا هي الله)، فاستخدامُ لفظ "الله" كموضوعٍ للقضية يجعل من إثباتِ المحمولِ (الوجود) تحصيلاً للحاصل. مثال للتبسيط: لو قلت "السيارة حمراء"، فإنني أكون قد حملتُ الحُمرة على السيارة، أي وصفتُ السيارة بالحُمرة، ومجردُ وصفي لها يتضمّنُ وجودَ سيارةٍ في الواقع الخارجي تم إدراكُها عن طريق الحس ثم وصْفُها بهذا اللون، أي أنه يجب أن تكون السيارةُ التي أتحدث عنها وأصفها موجودةً أولاً حتى يصحَّ أن أطلقَ عليها أيَّ وصف.
لكن إذا كانت السيارةُ أمامي وقلت: السيارة موجودة، فإن كونَ "الوجود" صفة للسيارة لن يضيفَ أي معنىً زائد على الماهية من حيث تحققها في الخارج، فالماهية المتحققة في الخارج تستلزم "الوجود"، فتصبح قضية "السيارة موجودة" تحصيلاً للحاصل، لأنه بمجرد قولي "سيارة" سيتضمن هذا أنها موجودة.
زيادةُ توضيح: عندما أقول: محمد شجاع، فإن "شجاع" صفةٌ زائدةٌ على الماهية (محمد)، وهذه الجملةُ تدلُّ ضِمناً على وجودِ الموضوع (محمد) الذي نِصِفه بالشجاعة، ولا يصح السؤال: فهل محمد موجود؟ لأنّ وصفيَ له بالشجاعة يستلزمُ وجودَه أوّلاً حتى يصحَّ وصفُه. أما إذا قلت: محمد موجود، فإن مجيءَ "الوجود" هنا محمولاً يجعل القضيةَ غيرَ ذات معنى، إذ استخدامُ (محمد) كموضوع (مبتدأ / مسند إليه) يفترِضُ وجودَه مسبقاً، فلما أُضيفَ له الوجود كان هذا تحصيلاً للحاصل، وقِس على ذلك قضيةَ "الله موجود". ولهذا فإنّ مجيءَ الوجودِ في موضع محمولِ القضيةِ يجعلها بلا معنى.
نعود إلى قضية "الله موجود". هذه القضية تأتي كنتيجة لبراهينَ تثبت "وجود" الله وجوداً فعلياً متحققاً في الخارج. لكنّ القولَ إن الله "موجود" يوقعنا في الإشكال الذي تحدثنا عنه وهو كون الوجود "صفة" للماهية أو "محمولاً" على موضوع القضية وهو "الله". ووصفُ الموصوف بصفة ما يستلزم وجودَ هذا الموصوف أولاً حتى يصحَّ وصفه، ولا معنى لوصفه بأنه "موجود"، إذ مجرد قول "الله" يعني أنه يجب أن يكون موجوداً، وهذا مصادرة على المطلوب، لأننا في مقام إثبات صحة وجود كائن بهذه الصفات، والذي يُطلَق عليه "الله". وهذا في جميعِ القضايا التي يكون فيها الوجودُ محمولاً. ولا يقتصرُ هذا على القضايا الموجبة، بل حتى السالبة (المنفية): فجملة "الله غير موجود" لا معنى كذلك، ومساويةٌ في (عدم) الدلالة لجملة "الله موجود" إذ في كليهما جاء الوجودُ محمولاً (خبراً / مُسنَداً)، فكما أنّ قضيةَ "الله موجود" لا معنى لها؛ قضية "الله غير موجود" لا معنى لها كذلك، إذ إن مآلَ القضيّةِ الأولى تحصيلُ الحاصل، والثانية الجمعُ بين النقيضين.
يصحُّ فقط وصفُ الإله بالصفات التي تضيف معنى زائداً على الماهية، بالقضايا الموجبة والسالبة مثل: الله رحيم، الله غير رحيم، الله ظالم، الله غير ظالم. إلا أن الإشكالَ في هذه القضايا هو افتراضُها المسبق "وجودَ إله" الذي هو محلُّ النزاع، وبالتالي نقع في المصادرةِ على المطلوب.
٢
حمل الوجود على الماهية في قضية "الله موجود"، أو القول إن ماهيّةَ الله هي وجود؛ قولٌ غير دقيق لعدة وجوه:
١- الوجود مقابلٌ للماهية وليس جزءاً منها: أي أنهما مفهومان متباينان فلا يكون أحدُهما جزءاً من الآخر، وهذا على المستوى الذهني، أما في الواقع الخارجي فإنني عندما أشير إلى س من الموجودات، فإنني أشير إلى وجوده وماهيّته، فالماهية والوجود لا ينفكّان في الواقع الخارجي. أما من حيث المفهوم، فالماهية لا يَلزم من تصوّرِها وجوبُ الوجود ولا وجوب العدم، أي إن مجردَ تصوُّرِ مفهوم / ماهية الإنسان، فإننا نتصور الصفاتِ المقوِّمةَ لهذا المفهوم وهي الحياة والعقل، دون دخول مفهوم "الوجود" في تصور الماهية، وهذا معنى القول "الماهية من حيث هي ليست إلا هي".
٢- القول إن لله ماهيةً يعني أنه قابل للتعريف، وكونه قابلاً للتعريف يؤدي إلى الدور المنطقي، لأن التعريفَ -بالحدّ أو الرسم- يكون بالجنس والفصل والخاصة، ودلالات هذه المفاهيم لا بد أن تكون "موجودة" حتى يصحُّ حملُها (نسبتُها) على الماهية، فلو كانت ماهيةُ الله هي وجوده، للزم من هذا القول: إن وجودَ الله هو وجوده، وهذا لا معنى له. لهذا يجب أن تكونَ ماهيةُ الله أمراً غيرَ الوجود. ولكن إذا كانت ماهيتُه لا تنطوي على وجود، فهذا يعني أن وجودَه ليس واجباً، ومبدأ "واجب الوجود" هو ما يتمسك به المؤمنون بوجود الله لإثبات صحة ووجوب الإيمان به، إذ إنه لو لم يكن واجباً لكان ممكناً أو مستحيل الوجود، وكلاهما لا يتوافقان ووصفَ الألوهية. فالحاصل أن وصفَ الإله بوجوب الوجود لا يصح، ووصفه بإمكان الوجود ينزع عنه صفةَ الألوهية.
لا يصحّ أن يقال: "بما أن وجود الله واجب، إذن فماهيّته هي وجوده" فهذه مصادرة على المطلوب، لأن ثبوت مبدأ الواجب مبني على جوابِ سؤال: هل يصح أن تكون الماهية وجوداً؟
الخلاصة:
القول إن وجود الله هو ماهيته (أو جزء من ماهيته) غير دقيق.
والقول إن وجود الله منفك عن الماهية يلغي مبدأ واجب الوجود.
٣
حلُّ إشكالِ حملِ الوجود على الماهية يكون بأحد القولين:
١- عكس الحمل.
٢- الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة.
قلنا إن الحملَ هو حملُ المحمولِ على الموضوع، أو وصفُ الموصوف بالصفة، ففي مثال "السيارة حمراء" نكون قد حمَلنا "الحُمرة" على السيارة، فـ "الحُمرة" محمول، والسيارة موضوع. جاء مبدأ "عكس الحمل" كمحاولةٍ لحلّ إشكال القضايا / الجُمَل التي يكون فيها الوجود محمولاً، فبدل القول إن "الإنسان موجود"، والحيوان موجود، يقال: الموجود إنسان، والموجود حيوان، فنكون قد عكَسنا الحمل / عكسنا الوصف.
لكن هذا المبدأ في الواقع لا يحل إشكال وجود الإله، لأنّ حَمْلَ الماهية على الوجود مبنيٌّ على تحقُّقِ الموجود في الخارج أولاً. فلأجل أن نقول: الموجود إنسان، يجب أن يتحقق وجود عينيٌّ مشارٌ إليه، فيصح حينئذ مبدأ "عكس الحمل". فإذا عكسنا حمل "الوجود" على "ماهية" الله، فقلنا: الموجود الله، بدل القول: الله موجود، فهذا يعني أن وجود الله قد ثبتَ بالحس، وصحّت الإشارة إليه، كما صحّتِ الإشارةُ إلى الإنسان. وهذا القول ليس بدقيق، فأصلُ النزاع هو في قضية وجود الإله، بمعنى هل هناك إله؟ أو هل الموجود الله؟ أي أنّ النزاعَ أصلاً في عكس الحمل.
-
الحل الآخر لإشكال حمل الوجود على الماهية هو في التفريقِ بين الهَلِيّة البسيطة والهَلِيّة المركبة، ومعنى الهَلِيّة البسيطة: ثبوتُ الشيء، ومعنى الهَلِيّة المركبة: ثبوت شيء لشيء. بعبارة أوضح: عندما أقول: السيارة موجودة، فإنني لا أقصد وصف السيارة بالوجود، لكنني أقصد مجرّدَ ثبوتِها في الواقع المحسوس، فكأنني أقول: هناك سيارة، فالقصد هو "مطلق الثبوت"، وهو الهَلِيّة البسيطة. وعندما أقول "السيارة حمراء" فإنني أكون قد أثبَتُّ وصفَ الحُمرة للسيارة، أي أثبَتُّ شيئاً لشيء، وهو الهَلِيّة المُركّبة. ولهذا فإن فالقضايا التي يكون فيها الوجودُ محمولاً مثل "الله موجود" هي من باب الهلية البسيطة لا المركبة، فالقول إن "الله موجود" يُراد منه مطلق الثبوت، ولا يعني ثبوث الوجود لله.
لكنّ القولَ إن الهلّيةَ البسيطةَ تعني مطلقَ الثبوت غيرُ متصوَّر كذلك، إذ لا يعني "الثبوتُ" شيئاً آخر غيرَ "الوجود". وحينها تكون قضيةُ "الله موجود" مساويةً لقضيةِ "الله ثابت"، ولا معنى للقول هنا: إن حملَ "الثبوت" على "الله" يعني مطلق الثبوت، ولا يعني ثبوت الثبوت لله! قياساً على القولِ في قضيةِ "الله موجود" حيث يقال: "يرادُ هنا مطلقُ الثبوت، وليس ثبوتَ الوجود لله". فإذا استبدلنا "الوجود" مكان "الثبوت" بانَ أنّ الرد بالهلّية البسيطة لا يَحُلُّ إشكالَ وضعِ الوجودِ موضعَ المحمول، حيث إن "الثبوتَ" و "الوجودَ" يحملان نفس الدلالةِ في هذا السياق.
طيب بسم الله:
ReplyDeleteقولك بعكس الحمل لازم المصادرة على المطلوب بجعل الوجود الممكن كالواجب بقولك أن القضية الوجود انسان تصح بعد التحقق الحسي من مصداقه وملازمتها للواحد وعليه الرد أن وجوده متحقق بغير الحس كما تعلمون درءا للتسلسل مثلا أو اثبات البسيط الغير مركب.
اما قولكم في الهلية البسيطه فلا أدري لماتصورت أن تلازم الوجود والثبوت بعد اشكالا اذ أن معنى الهلية البسيط الوجود المطلق اساسا منتنع الانفكاكا عن الماهية بالمصداق وعليه يكون وجود الله واحدا مع ذاته خارجا فإن قلتم يجبه التحقق الحسي قلنا كالاول به مصادرة على المطلوب وهناك وسائل تحقق مبرهنة مغايرة للحس