Monday, September 7, 2020

في الوحي

الفكرة الأساسية التي تُبنى عليها الأديان هي الوحي، فلولا الوحيُ لسقط الدين، إذ به يتم إثباتُ "التواصل" بين الإله والبشر عبر فرد منهم يختاره الإله. والتسليم بمفهوم الوحي بالمعنى الديني ينطوي على إشكالات معرفية، منها تحديدُ ماهية الوحي، وهذا مبني على أن التصورَ شرطُ التصديق، فلا يمكن "التصديقُ" بالمعارفِ الدينية دون "تصوّرٍ" للأساس التي تُبنى عليه، أو أدنى تصورٍ لماهية الموضوع، فلا يصح التصديقُ بالأحكام المعرفية من منطلق الإيمان، أو بالاستناد على فكرة "ثبتَ صدقُ المُدّعي فلا يمكن أن يكذب"، والوحي من هذه الأحكام الدينية التي يجب تصوّرُها تصوراً كاملاً حتى يصحَّ التصديقُ بها، ولا يسوغ في هذه الحالة بناءُ تصوُّرٍ ناقص لمفهوم الوحي، إذ عليه يستندُ الدين، وإليه المرجعُ في بناء المعرفة الدينية.


والقول إنّ الوحيَ هو إرسالُ ملاكٍ لتبليغ رسالة الإله إلى البشر؛ هو من باب: لولا مشيبي ما جفا، لولا جفاهُ لم أشِبْ، فمفهوم الوحي ليس معرفةً مشترَكة بين البشر، ولا هو من المعارف البدهية، فلم نعرفْ مفهومَ الوحي إلا من خلال الدين. ولمّا كانت المعرفةُ الدينية -وخصوصاً التي يُبنى عليها الدين- معرفةً لا تقبل السؤال أو التشكيك، أو بعبارة أخرى معرفة يجب الإيمان بها حتى يتمَّ الإيمانُ بالدين؛ كان لِزاماً على المؤمن أن يقبلَ فكرة الوحيَ عبر "الإيمان" دون سؤال نقدي، فالتشكيك في الوحي -عند المؤمن- هو تشكيكٌ في أصل الدين. فحاصِلُ الإشكال أنّ العلمَ بالوحي لم يحصل إلا عن طريق الإيمان بالدين، والدينُ لا يثبت إلا عبرَ الوحي، وفي هذا دور صريح.


ثم إن العلمَ بالوحي لم يتمَّ إلا عبرَ دعوى النبي أنه أوحي إليه، فينبني على هذا أن هذه المعرفةَ (الوحي) معرفةٌ صادقةٌ يجب القبولُ بها لأنها جاءت من نبي، إلا أن الإشكالَ هنا أن النبيَّ قبل دعوى الوحي لم يكن نبياً، وعند دعواه النبوةَ والوحيَ لم يكن قد ثبَتَ كونُه نبيّاً، ولهذا فالقولُ إن النبيَّ صادقٌ في دعواه الوحي لأن النبي لا يكذب؛ قولٌ ليس في محله، إذ لم يَثبتْ أنه نبي بعد حتى يكونَ قولُه الصدقَ واجباً.


ولا يصح الادّعاءُ أن الوحيَ هو من عند الله، أي لا يمكن تضمينُ فكرةِ الإله في مفهوم الوحي، ففي هذا مصادرة على المطلوب، لأن إثباتَ فكرةِ الوحي مبنيّ أصلاً على إثبات كائن مُفارق يتواصل مع البشر (إله)، فلا تستقيم فكرة الوحي إلا بعد إثبات ضرورةِ وجودِ هذا الكائن المفارق إثباتاً عقلياً صرفاً، ثم إثباتِ أنه متصفٌ بصفات، ثم إثباتِ أن قادرٌ على التواصل مع البشر، أو بلغة أدق: إثبات أن التواصلَ مع البشر هو من الممكناتِ التي تتعلقُ بها القدرة الألهية، ثم إثبات أنه تواصلَ بطريقة ما، ولا يمكن إثباتُ أنه تواصل مع البشر بدعوى فرد أن: الإله تواصل معي عبرَ الوحي، فهذا يعود بنا إلى المربع الأول في تحديد مفهوم الوحي، فقد يكون يكون المدّعي قد خاضَ تجربة نفسية أو عقلية أو ما يسمى "روحية" أو عدداً لا يحصى من الاحتمالات، فالقول إن التجربةَ التي خاضَها مُدّعي النبوة هي جزماً وحي من عند إله؛ فيه تحكُّم بلا دليل. ولهذا وجبَ تبيينُ مفهومِ الوحي أولاً والذي لم يأخذ حظاً كافياً -حسب اطلاعي- من النقد والتمحيص للوصول إلى تعريف حدّي مبيّن لماهيته.


هناك حُجج عقلية تُرجع "تواصل" الإله مع البشر إلى مبدأ الحكمة أو اللطف بالقول: ليس من الحكمة أن يخلقَ الإلهُ العالمَ ثم يتركه، أو إن من لوازمِ لطف الله بخلقه أن يرسلَ إليهم الأنبياء بالشرائع التي تنظم حياتهم...، وهذه الحججُ تصادر على مفهوم الإله، وتسلّم مُسبقاً بالتصور الذي جاءت به الأديان عن الإله المتصفِ بصفاتٍ ليست سوى إسقاطاتٍ بشرية، ومنها صفة الحكمة أو الإرادة أو العلم...، فالعقل إنْ أثبت ضرورة سبب أول للموجودات؛ فلا يحتّم وجوبَ كونِ هذا السبب كائناً حياً عاقلاً عليماً… إلى غير ذلك من الصفات التي جاءت بها النصوص الدينية. وهنا تحدث القفزةُ الاستدلالية في إثبات صفات الإله، إذ يتم إلصاقُ الصفات التي جاءت بها الكتب المقدسة؛ يتم إلصاقها بالإله إثرَ إثباتِ سبب أول للموجودات.


لا يمكن الجزمُ بمعاني الصفات الإلهية دون حدٍّ أدنى من تشبيهِ صفات الإله بالبشر، فلا تُفهَم صفاتُ العلم والإرادة والحكمة والرحمة إلا من خلال إسقاطِها على صفات الإنسان، وقد يصحُّ أنْ أزعمَ أن التشبيهَ هو أول مبدأ يتكون عند الإنسان عند تفكيره بالإله، وخصوصاً في طفولته وبسبب محيطه الاجتماعي وبيئته الثقافية والدورِ الذي يقوم به الأفراد المحيطين به.

أقول إنه لا يُتصورُ أن نتوصّلَ إلى معاني صفاتِ الإله دون بعض التشبيه، أي أن صفاتِ الإله إما أن تشبه صفاتِنا أو لا، والأول ممتنعٌ لامتناع التشبيه، أي أنه لا يمكن أن يكونَ الإلهُ مشابهاً للإنسان في صورته، والاستدلال على امتناع هذا تتفق عليه عمومُ الفِرق الكلامية، ولست هنا بصدد إثباتِ امتناع أو جوازِ مشابهة الإله للموجودات. والثاني يَلزمُ عنه الجهلُ بمعاني جميع الصفات، أي أنه لو لم تكن صفاتُ الإله مشابهةً لصفاتنا، أو لم تكن مشابهة لأي شيء توصَّلْنا إليه من خلال الخبرة البشرية؛ فكيف نجزم بمعنىً معين لصفة معينة من صفات الإله؟ فلو قلنا إن الإله حكيم، فإن العقلَ الإنسانيَّ سينطلق في تأسيس رؤية لهذه الصفة الإلهية؛ من مبدأ التشبيه، لأنه لم يُدركْ معنى الحكمةِ إلا من خلال خبرتِه البشرية، وقِس على ذلك صفاتِ العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة...


فليس دقيقاً القولُ إن تواصلَ الإله مع البشر هو من باب الحكمة الإلهية، ففيه تحكُّم بمفهوم الإله، وإسقاطُ المعنى الإنساني للحكمة على هذا التصور بمفهوم الإله. بعبارة أخرى، لو ثبتَ وجود إله، وثبتَ كونُه ماهيةً حية، وثبتَتْ صحةُ اتصافِه بصفات ما، وثبتَ وجوبُ اتصافِه بالحكمة؛ وجبَ أن يكون معنى الحكمة الإلهية مطابقاً لمعنى الحكمة الإنسانية، وإلا لم ندرك المعنى الحقيقي للحكمة الإلهية، ولو لم ندرك المعنى الحقيقي للصفات، فكيف يتمُّ إثباتُ وجوبِ اتصافِه بها؟


Monday, August 17, 2020

أخلاق الملحد

مازال سؤالُ الأخلاق والدين مطروحاً في الوسط الفكري، وقد لا يخلو حوار فلسفي من جدل حولَ تحديد العلاقة بين الأخلاق والدين من حيث إمكانية التزام الفرد بالقواعد الأخلاقية دون التزامِه بدين ما. وفي السياقات الدينية المعارِضة للتوجّه الرافض للدين يكون السؤال أكثرَ تحديداً، وهو هل يمكن أن يكون الملحد أخلاقياً؟ لن أتطرقَ للجواب النافي وجودَ أي نوع من الحس الأخلاقي عند الملحد، فهذا التوجه ظاهُر البطلان ومعارَض بالواقع المشاهَد. لفتت انتباهي مقاربةٌ أخرى لسؤال الأخلاق والإلحاد حيث يقال إنه لا تعارضَ بين الإلحاد والأخلاق، فقد يوجد ملحدٌ ذو أخلاق، إلا أن الملحدَ في أخلاقه غيرُ تابعٍ لمنظومة أخلاقية، وفي هذا الادّعاء إشكالات:


١- الإلحاد موقف معرفي متعلق بوجود إله، وليس الإلحادُ موقفاً أخلاقيّاً حتى يقالَ إن الملحدَ لا ينطلق من منظومةٍ أخلاقية. فمَن يتبنّى الموقفَ الإلحادي، فهو يتبنّى موقفاً نافياً وجودَ إله، لا نافياً وجودَ أخلاق، ومن يقول بهذا الكلام يزعم ضمناً أن الأخلاقَ لا تكون إلا بوجود إله، وفي هذا مصادرة على المطلوب، وفيه التسليم المسبَق بالنتيجة وهي وجود إله، وهو محل النزاع بين الملحد والمؤمن، فهذا الادعاء يجعل قضيةً ميتافيزيقية (وجود إله) أساساً لقضية أخلاقية ذاتية وهي التزام الملحد بالأخلاق، أو اتباعُه لمنظومة أخلاقية.


 ٢- المنظومةُ الأخلاقية في الدين هي إحدى المنظوماتِ الأخلاقية في الفكر الإنساني، وليست بالضرورة أفضلَها ولا أسوأها، فمعيارُ أفضلية المنظومات الأخلاقية يجب ألا ينطلقَ من أساسٍ ميتافيزيقي أو غيبيّ، بل من أساس واقعي مشاهَد يتحدد بالسياق الاجتماعي، أي بالعلاقاتِ بين الأفراد في المجتمع. إن عدمَ التزام الملحد بالمنظومة الأخلاقية الدينية لا يعني عدمَ التزامِه بأي منظومة أخلاقية أخرى، وهذا محضُ ادعاء لا برهانَ عليه، أعني ادعاءَ كون الملحد -وإنْ كان ذا أخلاق- لا يتبع في أفعالِه منظومةً أخلاقية، لانْفكاكِ الجهة بين الموقف الإلحادي الرافض وجودَ إله، والموقف الأخلاقي المتعلقِ بفِعل الإنسان.


 ٣- الأخلاق جانبٌ عملي لا نظري، والتفريقُ التنظيري بين الأخلاقِ والمنظومة الأخلاقية غيرُ مهم كثيراً على المستوى العملي، فعند تقويم فعلِ الإنسان من حيثيةِ كونه أخلاقياً؛ لا يهمّ كونُ الإنسان يتبنّى منظومةً أخلاقية ينطلق منها في أفعاله أم إنها مجرد أخلاق لا ترتبطُ بمنظومة أخلاقية، لا قيمةَ لهذا التفريق النظري بقدر القيمة الفعلية للسلوك الذي يصدر من الإنسان، فعندما يفعل فردٌ فعلاً ما لا يتم سؤاله: هل سلوكك هذا ينطلق من منظومة أخلاقية أم لا؟ بحيث إن ْكان ينطلق من منظومة أخلاقية فإنه أفضلُ من عدم اتباعه منظومةً أخلاقية. لا قيمةَ لهذا التفريق النظري في مقام تحديدِ القيمة الأخلاقية للفعل الإنساني.


 ٤- يقال إنه لا توجد فلسفة أخلاقية للإلحاد، وهذا صحيح لأن الإلحادَ ليس نظريةً أصلاً، فضلاً عن أن يكون نظريةً أخلاقية، فكما قلت إن الإلحادَ موقفٌ ينفي وجودَ إله، فهو موقف يتعلق بفكرة ميتافيزيقية، وليس موقفاً متعلقاً بالفعل الإنساني، وبالتالي فإنّ مَن يرفض وجودَ إله، لا يعني أنه رافض للمبادئ الأخلاقية، ولهذا فإنّ سؤال العلاقة بين الملحد والأخلاق أدقُّ في التعبير من سؤال العلاقة بين الإلحاد والأخلاق، فليس الإلحادُ منظومةً فكرية ولا نظرية معرفية ولا موقفاً فلسفياً (وأتحدث هنا عن الإلحاد بمعنى نفي وجودِ إله لعدم كفاية الأدلة، ولا أتحدث عن إثبات عدم وجود إله بالأدلة التي تثبت استحالةَ وجوده). سؤال العلاقةِ بين الملحد والأخلاق أدقُّ مِن سؤال العلاقة بين الإلحاد والأخلاق، ولكنْ لا يعني أنه بحدّ ذاته سؤال دقيق، بل لا معنى له أصلاً، وهو كأنْ يُطرح سؤال: هل من الممكن أن يكون المؤمن عالم بيئة؟ سؤال لا معنى له، ومِثلُه تماماً سؤال العلاقة بين الملحد والأخلاق، ولولا التشويهُ الحاصلُ وكثرةُ ادعاءِ تعارضِ الإلحاد والإيمان لمَا اضطررنا لكتابة هذه السطور.


 ترجع الأخلاقُ إلى التفاعل "العملي" بين الناس، والتجسيدِ الفعلي بعمل لما يعتقدُه الفردُ صواباً، وتركِ ما يعتقده خاطئاً، وهذا يتحدد بعواملَ كثيرةٍ كالمصلحة المجتمعية أو القيمةِ العملية للفعل أو الاعتقاد العقلي بكون الفعل صواباً انطلاقاً من أخلاق الواجب. ولست هنا بصدد عرضِ نظرية أخلاقية أو بديلٍ عن المنظومة الأخلاقية الدينية، لكنني أردُّ التعارضَ المتوهَّمَ بين الإلحاد والأخلاق.


قد يقال: كيف نعرف أنّ عملاً ما أخلاقيٌّ إذا لم ننطلق من أساس موضوعي، كالإله مثلا؟ والجواب من عدة وجوه:

١- الحُكم على الفعل بأنه أخلاقي حكم نسبي يعتمد على ثقافة المجتمع. زواج الرجل من ابنة عمه فعلٌ أخلاقي في الثقافة الشرقية، لكنه مثير للاشمئزاز والتقزز في الثقافة الغربية، ونوعُ لباس معين قد ينبني عليه حكمٌ بالتّفسخ الأخلاقي في مجتمع، إلا أنه لباسُ عامّةِ الناس في مجتمع آخر، وهذا يرجع إلى نسبية الأخلاق واختلافِ معاييرها بين المجتمعات، وهذا يرجع في أصله إلى طبيعة الفعل الإنساني الذي هو موضوع علم الأخلاق. وليست نسبيةُ الأخلاق بأمرٍ يَعِيبها، لاستحالةِ أن يوجدَ معيارٌ أخلاقي واحد يتم فرضُه على جميع الأفراد والمجتمعات.

٢- الأخلاق العامّة والمتفقُ عليها منحصرةٌ ومتفق عليها (إلى حد ما، وتختلف باختلاف السياق) كعدم الكذب وعدم التعدي على حرية الآخرين وعدم السرقة...، ولا يُقال إن مصدرَ هذه الأخلاق هو الدين، أي أنه حتى لو لم يكن الانسان مؤمناً، فإنه يبقى مُدركاً كونَها أفعالاً أخلاقية بذاتها، ولا حاجةَ لمصدر خارجي يأمرنا بعدم القتل أو السرقة حتى نقول: إن السرقة فعل غير أخلاقي.


 ٣- يَفترضُ السؤالُ أن الأخلاقَ يجب أن تكونَ مستندةً على أساسٍ موضوعي، وإلا لا نستطيع الحكمَ على فعل ما أنه أخلاقي، وليس هذا بدقيق، ولا يتعدى التنظيرَ مع إغفال الطبيعةِ العملية للأخلاق، كالتنظير في التفريق بين الأخلاق والمنظومة الأخلاقية! فالحُكم على فعل ما بكونه أخلاقياً أم غيرَ أخلاقي ليس مشروطاً بالعلم باستناده على أساس موضوعي، سواء كان ديناً أم غيره، بل تتحدد أخلاقية الفعل بالنظر إلى الفعل نفسه، دون اشتراطِ وجودِ أساس موضوعي أو منظومةٍ أخلاقية.


٤- يقال: العقولُ مختلفة في الحكم على أخلاقية الفعل، فكيف نعرف الصوابَ الأخلاقي لفِعلٍ ما حتى نفعله؟

اختلافُ العقول في معرفة  الحكم الأخلاقي للفعل صواب، إذ الادّعاء أن كلَّ الأخلاق يجب أن تكون مستندة على أساس موضوعي واحد ادّعاءٌ غير دقيق، فقد يختلف حكمُ العقل في تحديدِ القيمة الأخلاقية للفعل، وهذا يتحدد بالسياق المجتمعي (وهذا بخلاف المقاربة العقلية للأخلاق عند كانْت). ثمّ إن الأديانَ مختلفةٌ في الحكم على الأفعال كذلك، فقد يوجد فعل ما مباح في دين ومحرم في دين آخر، فالدين الذي يحرم هذا الفعل يدّعي بأنه فعل غير أخلاقي، ولا يوافقه على هذا الحكم "الأخلاقي" مَن كان في دينه هذا الفعلُ مباحاً، وليس بالإمكانِ الجزمُ بالرأي الموضوعي (رأي الإله) في هذا الشأن، فيُسأل هنا مثلُ السؤال الذي يطرحه المؤمن، كيف نعرف أن فعلاً ما أخلاقيٌّ إنْ كان يتردد بين الحُرمة والإباحة في دينَين؟ ما حكم الإله في فهذا الفعل؟


Tuesday, July 28, 2020

الإله، اجتماعياً

يولد مفهومُ الإله من رَحم الثقافة، وينمو في المجتمع متأثراً بالإرث الثقافي والتقاليد الشعبية المتمثِّلة في اللغة والسلوك والأعراف، فلا يخلو مظهر اجتماعي إلا ويدخله مفهومُ الإله بعد تطوره وتغلغله في أعماق اللاوعي، وتجذُّرِه في قاع العقل الجمعي. قد يصح القولُ إن مفهومَ الإله واحدٌ عند المجتمع ككل، فصورة الإله العربي واحدة، وتختلف بطبيعتها عن صورة الإله الغربي، أو الإله الصيني.. إلا أنه يصعب القول إن صورةَ الإله واحدةٌ عند كل أفراد المجتمع، مهما اتفقوا على الملامح العامة لصورته. يقفز مفهومُ الإله هنا من المبحث الوجودي إلى الساحةِ الاجتماعية حيث يلبس ثيابَ الثقافة السائدة في المجتمع. لم يمت الإله، ولم نقتلْه نحن، بل وُلد الإله، ونحن صنعناه، إله نيتشه الميت هو الإله الاجتماعي الذي يطابق السائدَ والمعروفَ في الثقافة التي تصنعه، ولا يخالف أعرافَ المجتمع الذي يولد فيه، بل يتفاعل معهم بحضوره، وسماعه نداءاتِهم وتلبيته دعواتهم وقضائه حاجاتِهم. لولا المجتمعُ لمَا كان إله، ولولا التراثُ الثقافي في المجتمع لمَا كان بالإمكان اختراعُ صورة الإله، فلا تكتمل صورته في ذهن الفرد إلا بتفاعلِ عناصرَ ثقافيةٍ واجتماعية تختمرُ في الذهن فتنتج صورةً للإله، صورةً تعكس النمطَ الفكريَّ الغالبَ على هذا المجتمع.

لا يغيب العاملُ النفسي في تشكيل صورة الإله، الإلهِ الناشئ عن الحاجة والخوف، والذي يلعب دورَ الخشبة الطافية التي يتعلق بها آخرُ راكبِ سفينةٍ قبل الغرق، وطوقَ النجاة الذي يكون أغلى من حياة الإنسان نفسها في هذه اللحظة، فقبل الغرق يظن الإنسان أن هذا الطوقَ وذلك الجذع مَن سينقذ حياته، وقد يكون! التصور المجتمعي البسيط عن الإله، كتصورِ الغريق لطوق النجاة، هو النور في نهاية النفق المظلم، والواحة في وسط الصحراء، نركض لنصل للنور، فقد نجده وقد ينطفئ قبل الوصول! ونجرّ أرجلنا لنصل للواحة نرتوي من مائها، فقد تكون واحة، وقد تكون سراباً!

التصور الاجتماعي العام للإله ليس سوى إسقاطاتٍ بشريةٍ نابعة من المخزون الثقافي، أو تخيلاتٍ لِما "يريده" الإنسان من الإله أن يكون، في هذه الحالة يصنع كلُّ إنسان إلهه الخاصَّ به، إلهه الذي سيلبّي له رغباتِه، فيكون إلهُه أملَه الأخيرَ الذي يتعلق به لإنجاز ما تبقّى من أمنياته. يريد الإنسان مرجعاً يستند إليه في حالات الشدة، فيُلبس الإلهَ صفةَ الرحمة، ويأمل الإنسان نجاحاً في حياته، فيطلب التوفيقَ من إلهه الذي يظنُّ أنه هو المسؤول عن توفيقه، لأنه "لو لم يوفقني الإله، فكيف نجحت!"

يتصور الناسُ الإلهَ كفرد جنسهم يتفاعل معهم، يسمع ويردّ وينظر ويضحك ويغضب ثم يرضى إذا تراجعنا عما أغضَبه، يتمثل هذا التصور في فكرة الدعاء، حيث يظن الإنسانُ أن الإلهَ ملِك تُرفع إليه الحاجات والطلبات، ويقرر بناءً على عواملَ عدة أيحقق هذه الطلبات أم لا، فإذا حدث وتحقق المراد، نُسِب ذلك جزماً إلى "الله" الذي استجاب الدعاء وحقق ما طُلب منه. الإشكال يكمن في الجزم المتمثل في نسبة تحقق المراد إلى الله، كيف نتأكد أن الله هو من حقق المراد إن كان المراد سيتحقق بالدعاء وبغير دعاء؟ الدعاء يعامل الإله على أنه الملجأ الذي يقضي الحاجاتِ الصعبةَ، وهذا التصور ناشئ من "إرادة" الإنسان أن تكونَ هناك جهةٌ يُسند ظهرَه إليها تَضمن له قضاءَ حاجاتِه، فإذا لم تتحقق حاجتُه؛ جزَم أنها خير لكونها تقع ضمن خطة "الله" الذي يريد له الخير دائماً. لا نعلم إنْ كان اللهُ يريد لنا الخير، بل ليس بالإمكان أن نعلمَ أصلاً، لكنها "الإرادة" البشرية، الناس يريدون أن يطمئنوا، يفضّلون شعور الراحة الذي يَنتج عند نسبةِ عواقبِ الأمور إلى كيان أقوى، ولكن كيف علمنا أنه أقوى؟


هذا التصور الاجتماعي للإله ككائن متفاعل مع البشر بشكل يومي؛ تدلُّ عليه أبسطُ العبارات المستعمَلة في ثقافتنا مثل:  ادعُ الله-الله يوفقك-الله يكون بعونك-الله معاك-الله يحبني (في حالة تيسير أمر معين)..  تتحول هذه العبارات عبر الزمن من كونها مجازاً إلى حقيقة، فيتصور الناس أنّ للإله صفاتٍ حيةً كصفاتهم، لكن الفرق أنهم لا يعلمون "كيف"! ويعتبر "تابو" دينياً أن نطرح سؤال "كيف" بأي شيء يتعلق بالإله، هذا التحريم الاجتماعي ناشئ من مبدأ التقديس، يغطي الإنسانُ ما يراه موضوعاً حساساً و"ممنوع الاقتراب" منه، يغطيه بثوب القداسة، ولكن لم يسأل أحد: كيف تطورَ الإلهُ ليصبحَ موضوعاً حساساً يُمنع حتى السؤال عنه بـ "كيف؟"؟ يمثل الإله "الاجتماعي" صمامَ الأمان، والصخرةَ التي يستند إليها الناس، والبساطَ الذي يقف عليه المجتمع، فإذا تم التعرضُ لهذا البساط، أو حتى لو فكّر أحدهم بلمس هذا البساط؛ فسيسقط المجتمع كلُّه، فأفضل حل أن يُمنعَ الحديثُ عنه والتفكير فيه بل وحتى إرادةُ التفكير. في هذه الحالة من تصور الإله الاجتماعي، لا يكون مفهومُ الإله حقيقةً موضوعيةً بقدر ما يكون مفهوماً من صُنعِ عقول البشر، مفهوماً يمنحهم الشعور بالأمان، يزودهم بالقوة معنوية، ويعطيهم الراحةً نفسية المطلوبة كلما رجعوا إليه وسألوه، فيتم التعلقُ به و"إدمانُه" ليس لكونه حقيقة، بل لدوافعَ نفسيةٍ كالشعور بالاطمئنان والسكينة والثقة.

وما المشكلة في هذا؟ الخطير بالأمر أنّ التعلقَ النفسي يبدأ بشعور بالراحة، وينتهي إلى الإدمان وعدم القدرة على الانفكاك عنه. ثم إن التعلقَ النفسيَّ لا يختص بمفهوم الإله، بل قد يتعلق الإنسان بأي مفهوم مِن صُنع عقله، يلجأ إلى هذا المفهوم في أوقات الشدة، وينسب إليه الخيرَ والتوفيق في أمور الدنيا، ثم يصلُ به الحال إلى الخوف من هذا المفهوم الذي هو مُن صُنعِه إذا شعرَ أنه ابتعدَ عنه، ويشعر بالتقصير تجاهه، يتخيله كينونةً حيةً تشعر به ويشعر بها، ولكونها مخفيةً يعظّم من شأنها، فما كان مخفياً فشأنه أعظمُ من الظاهر، لكن يستحيل أن تكونَ صفاتُ هذه الكينونة المخفية مخالفةً لصفات مَن صَنعها، فلا يستطيع الإنسان بناءَ مفهومٍ إلا من موادّ أولية، وهذه المواد الأولية يستخلصها من المعارفِ الذهنية الموجودة مسبقاً، فتكون صفاتُ هذا الكائن الحي "الإله" الذي صنعه ذهن الإنسان؛ مطابقةً تماماً لصفات الإنسان إلى أن يبدأ بتضخيم هذه الصفات، لأنه لو لم يقم بتضخيم ِصفاتِه فسيكون هذا الكائن مشابهاً للإنسان من حيث قوتُه وقدرته، ولن يكونَ بإمكانه أن يزود الإنسان بمعاني الطمأنينة والأمل التي ينشدُها منه.


انتقلَ موضوع "الإله" من البحث الوجودي الذي هو الأصل، إلى البحث المعرفي الذي يتأسس على الوجود. معرفةُ صفاتِ الإله مبنيّةٌ على التحقيق أولاً في مسألة وجوده، فإذا صحَّ وجودُ إله؛ يلزَمُنا البحثُ في حقيقةِ هذا الوجود وما يجري عليه وما لا يجري، حتى نعرفَ كيفيةَ نسبةِ الصفات إليه. ولكن نسبة الصفات إلى الله ليست مستمَدّةً من العقل، بل من النصِّ المقدس الموجَّه إلى العامّة، حيث يراد منهم مطلقُ الإيمان بإله دون الخوض في إشكالات "كون الوجود عين الماهية في مبدأ واجب الوجود، وإلا صحّ انفكاكُهما ذهناً وسقطَت فكرة وجوب وجود إله عقلاً". عامة الناس غير معنيين بهذا الخطاب، فغاية النص المقدس منهم: قل آمنتُ بالله، أو "الله موجود" ولا تسأل كيف. الامتناع عن سؤال "كيف" ليس لأجل فكرة امتناع الكيفية على الإله بقدر ما هي تسليم وإيمان، وتفضيل الراحة العقلية على الخوض في مسائلَ متشابكةٍ، يخشى منها الإنسان أن تنتهيَ به إلى نبذِ ما اعتادَ الاعتقادَ به منذ الصغر. المسألة هنا اعتياد أكثر من كونها اعتقاداً بأمر مطابق للواقع.


أكثر ما يخشاه الإنسان أن يكتشفَ أنّ ما اعتاد عليه خمسين عاماً؛ مبنيّ على أساس هارٍ ضعيف، فيفضّل حينها أن يستمرَّ على ما اعتاد عليه ويتركَ البحثَ في معتقداته إنْ كان هناك احتمال ضئيل أن تكون خاطئة! إن التسليمَ للتعاليم التي يظنّها الإنسان إلهيةَ، خير -بالنسبة له- من البحث والتدقيق في هذه الأوامر، لأنه لا يريد أن يكتشفَ أنها أوامر لا معنى لها والحال أنه قد اعتاد عليها مُذْ وعى على الدنيا، فيكون في هذه الحالة كمن يحلم حلماً رائعاً، لا يريد أن يفكر أنه في حلم لا تَفسُد اللحظاتُ التي يعيشها وإن كانت لحظاتٍ عابرةً. يريد الإنسان أن يكونَ خاضعاً لسلطة عليا تعطيه الأوامر لينفذها، يخاف الإنسان أن يكون سيد نفسه، أن يشكّل قوانينه بنفسه، وذلك لضعف ثقة الإنسان بقدرته، فلا يثق إلا بـ"الأوامر الإلهية"، لأن "الإله يعلم أفضل مما نعلم"، فلا بد أن تكونَ أوامرُه خيراً لنا وإن بدا عكس ذلك، لهذا يُمنع أن تُساءل التعاليم الإلهية، فالله يأمرك، فأطع كما تؤمر!


Sunday, July 19, 2020

الإيمان بالله، وقواعدُ النحو

هذا هو المقال الثالث الذي أكتبه ضمنَ سلسلةِ مقالاتٍ في علاقةِ المنظومةِ اللغوية الحاكمةِ للذهنِ البشري بالاعتقادِ بالتصوراتِ الغيبية، وأهمُّها تصورُ مفهومِ الإله. وكنتُ قد بدأتُ هذه السلسلةَ بمقالٍ تمهيدي في اللغة عموماً من حيث دورُها في تشكيلِ الفكر أولاً، وأثرُها في التواصلِ ثانياً، وأتبعتُه بمقالٍ في الفرق بين اللغةِ والملَكة اللغوية، وعملِ اللغة كمقولةٍ قبلية في العقل أو حدسٍ قَبْليّ للتصورات الحسية. وفي هذا المقال أناقش دورَ اللغةِ في تكوين تصوُّراتِنا البسيطةِ عن مفهوم "الإله"، وأثرِها في بناء الاستدلالاتِ المركبةِ لإثباتِ وجودِه، فليس بمقدورِ العقلِ في جميعِ استدلالاتِه المعقدةِ -من ضمنها الاستدلالُ على وجود إله- أن ينفكَّ عن التعبيرِ عن هذه الاستدلالاتِ عبر اللغة، من هنا تكون للّغةِ سلطةٌ تحدّدُ كيفيةَ سيرِ الاستدلالِ بطريقٍ معين، فتكون الحقيقةُ المرادُ الوصولُ إليها ناتجةً من اللغة المستعمَلة، وليست ناتجة ًبالضرورةِ من القيمةِ المعنويةِ للبرهانِ العقلي.



جميعُ تصوُّراتِنا عن الإله مقيّدةٌ باللغة التي نعبّر بها عن هذا الكائن الميتافيزيقي. وكلُّ إنسانٍ يُعبِّر بلغته الخاصةِ عن تجربته الذاتيةِ مع الإله، لذلك فليس من الممكن الجزمُ بأنّ الإلهَ الذي أتحدثُ عنه هو نفسُه الإلهُ الذي تتحدث عنه أنت، فدلالةُ لفظِ الإله في "لغتي" ليست عينَها دلالتَه في لغتك. ولا يقتصرُ هذا على مبدأ الإله فحسب، بل ينسحبُ على جميعِ المفاهيمِ غيرِ المادية عموماً، والمفاهيمِ والتصوُّراتِ الدينيةِ خصوصاً. اللغةُ هنا تبتعدُ بنا عن الحقيقةِ المُميِّزة لمفهوم الإله، لأننا عندما نتحدثُ عن الإله، فإننا لا ننفكُّ نستعملُ ذاتَ اللغةِ التي نتعامل بها للتحدثِ في أي شأن، أي أنّ اللغةَ المستعمَلةَ للتحدث عن الإله ليست لغةً خارقةً أو غيرَ مفهومة، بل إنه من الممكن القولُ إنه يستحيل ألا تكونَ اللغةُ المستعمَلةُ للتحدث عن الإله هي اللغةُ اليومية! ومما يدخل ضمنَ إطارِ التحدث عن الإله؛ التحدثُ عن صفاتِه، فالألفاظُ التي نستعملها للتعبيرِ عن صفات الإله؛ هي عينُها الألفاظُ التي نستعملها لنصفَ بها أنفسَنا! إلا أنّ لعلماءِ اللاهوت قولاً آخرَ وهو أنّ التشابهَ بين صفات الخالق والمخلوق لا يعدو كونَه تشابهاً لفظياً لا حقيقيّاً، فعندما نَصف الإلهَ بكونه رحيماً، ونَصف إنساناً بنفس الصفة، فليستِ الرحمةُ الإلهيةُِ عينَ الرحمة الإنسانية. وليست الغيريةُ مقتصرةً على الكمّ حتى يقال: الرحمةُ الإلهية أعظمُ من الإنسانية بمئة مرة! بل الخلافُ في كيفية الصفة.


الإشكال في ادّعاء كونِ التشابهِ لفظياً لا حقيقياً هو أننا عندما نَصِفُ الإلهَ بأيِّ صفة؛ صفةِ العلم مثلاً؛ فبناءً على نفي التشابه الحقيقي، لن يكونَ للَفظِ "العلم" أيُّ معنىً عند نسبَتِه إلى الإله! لكننا عندما نقول: الإلهُ يعلم كلَّ شيء؛ فإن هذا القولَ يتضمنُ تشابهاً حقيقياً، وهو ما ينفيه علماءُ اللاهوت. بهذا تكون اللغةُ بتصريف ألفاظِها وترتيب جُملها ومواقعِ الكلمات فيها؛ حاكمةً على تصوُّرِنا لمفهوم الإله. وبالتالي لا يمكننا الحديثُ عن "علم" الإله، لأن حقيقةَ هذه الصفة غائبةٌ عنا! وبالتالي لا يمكنُ بناءُ أيِّ معرفةٍ على هذه الصفة التي نجهلُ عنها كلَّ شيءٍ سوى اسمِها. ‏وقِس على ذلك كلَّ الصفاتِ المنسوبةِ للإله، بل أيَّ حديث عنه.


تمتدُّ سُلطةُ اللغةِ في هذا السياق إلى أعمقَ من مجردِ تصورِ الإله، فتُشكّلُ حتى الاستدلالاتِ العقليةَ التي يوظّفها الإلهيون في إثبات وجوده. فلهذا قد يصحُّ القولُ إن مفهومَ الإله موجودٌ في اللغة فقط، أو "موجود لغوي" في مقابلِ موجود "اعتباري" أو "انتزاعي"، والوجودُ في اللغة هو أحد الوجوداتِ الأربعة وهي: وجودٌ في الأذهان، ووجودٌ في اللسان، ووجودٌ في العيان، ووجودٌ البنان (أي الكتابة). إلا أن العلاقةَ بينهما غيرُ واضحةٍ من حيث سَبْقُ أحدِها على غيرِه، أي أنه هل يجب أن يكونَ الموجودُ موجوداً في الخارج أولاً حتى يصحَّ أن يوجدَ في الذهن واللفظ والكتابة؟ لكنني سأرجئ الحديثَ عن هذا لوقت آخر.


لو قلنا إن الاستدلالاتِ التي يستدلُّ بها الإلهيون تستمدُّ حجّيتَها من اللغة، فهذا يعني أن حُجّيةَ الدليلِ مرهونةٌ باستعمالِ هذه اللغة فقط، فلو تمَّ استعمالُ نفسِ الدليلِ بلغة أخرى لاختلفَتْ دلالتُه، ولمَا كانت له نفسُ الحجيةِ والظهورِ كما تمَّ إنتاجُه في اللغة الأولى. ففي الاستدلالِ على وجود الإله مثلاً يقال: العالَم مخلوق، فهو محتاجٌ إلى خالق، لأن "مخلوق" اسمُ مفعولٍ دالٌّ على الحاجةِ إلى فاعل، فيُستنتَج وجودُ الله بناءً على القول "العالم مخلوق" بدلاً من "العالم موجود" مثلا، أو "هناك عالم". وهذا ظاهر في اللغة الفارسية كذلك، فقولنا: "آنجا جهان هست" ليس كالقول: "جهان خلق شده است"، فالقولُ الأول إشارةٌ إلى مُطلقِ وجودِ العالم، والقول الثاني فيه فِعْلُ الخَلْقِ بصيغةِ المبنيّ للمجهول "مخلوق"، فيستحيل هنا ألا يتوجهَ الذهن ُإلى وجودِ ماهيةٍ واعيةٍ كانت سبباً في "خلق" الكون، لكنَّ هذا اللزومَ غيرُ واجبٍ في قولنا: هناك عالم. ومن ذلك أيضاً القولُ إن "الطبيعةَ" مخلوقة، لأنها في العربيةِ على وزن "فعيلة"، وهي بمعنى "مفعولة" أي "مخلوقة" فيَلزمُ وجودُ فاعلٍ "خالق". فهذا الاستدلالُ لازمٌ فقط في المنظومةِ اللغوية التي يكون فيها التصريفُ اللغويُّ ذا معنى، وفي هذه الحالةِ هي اللغةُ العربية التي تختلف فيها معاني المفرداتِ باختلاف تصريف (بنية) الكلمة، ففي هذه الحالة يكون الاستدلالُ بِكَوْنِ لفظِ "الطبيعة" على وزنِ فعيلة بمعنى مفعولة أي مخلوقة فتحتاج إلى خالق؛ استدلالٌ غير مُلزِمٍ في اللغة الإنجليزية التي تسمّي الطبيعةَ Nature، أو في اللغة التركية التي تسمي الطبيعةَ Doğa، لا يتمُّ هذا الاستدلالُ على وجودِ الإله إلا في حدودِ اللغة العربية، ولهذا فإن اللغةَ حاكمةٌ على استدلالاتِنا المُركَّبةِ كذلك وليست فقط حاكمةً على تصوراتِنا البسيطة. ومما يتّصلُ بهذا المقامِ سؤالُ الإلهيين كيف "بدأ" الخلق، لأن النظرةَ الكونيةَ الإلهيةَ مبنيّةٌ على أن العالمَ مخلوق، والخَلْقُ إيجادٌ بعدَ عدم، فلا بدَّ أن يكونَ للشيء بدايةُ وجود، من هنا جاء سؤال: كيف "بدأ" الخلق؟ ولستُ بصدد مناقشةِ هل للعالم بداية أم أنه أزلي، والإشكالاتِ التي تَرِدُ على مَن يقول بأنَّ العالَمَ مخلوقٌ وله بداية، بل غايةُ القولِ إن للّغةِ سلطةً على تشكيلِ منظومةِ الإنسانِ الفكرية بجميعِ جوانبها، وليستِ المنظومةُ الدينيةُ استثناءً. ومن الأسئلةِ التي يطرحُها الإلهيون كذلك سؤال: مَن خلق العالم؟ وهذا السؤال -كغيره من الأسئلة- سؤال موجَّه، أي أنه يحصرُ الإجابةَ في نطاق معين، فأداة السؤال هنا "مَن"، وهي في العربية سؤالٌ عن عاقل، ومثلها في الفارسية والتركية في اختلافِ أداةِ السؤال باختلاف كون الفاعلِ عاقلاً أم غيرَ عاقل ففي الفارسية "مَن = كى" و"ما = چی"، وفي التركية "من = Kim" و"ما = Ne"، ولهذا فإنَّ الجوابَ عن هذا السؤال يكون منحصراً في الماهيات العاقلة فقط، بينما لو كان السؤال: ما أوجد العالم؟ لاتّسعَ نطاق الجواب.


ومن الاستدلالاتِ المبنيّةِ على اللغة كذلك، الاستدلالُ بالهَليّة البسيطة والهَليّة المركبة في الردِّ على إشكالِ كون الوجودِ محمولاً في قضية "الله موجود"، وقد ناقشتُ هذه القضيةَ بإسهابٍ سابقاً، وناقشتُ الردَّ بالهَلية البسيطة والمركبة ولن أكررَ هنا إلا ما يرتبط بالسياق. الإشكالُ أن إسنادَ "الوجود" إلى أي ماهيةٍ يؤدي إلى تحصيلِ الحاصل، أي لا يضيفُ معنىً جديداً للماهية، لأنَّ الماهيةَ يجب أن تكونَ موجودةً قبلَ أن نُسندَ إليها صفةً ما، لهذا لا يصحُّ أن نَصِفَها بـ "الوجود". ردّ الإلهيون هذا الإشكالَ بالقولِ إن النسبةَ بين "الله" و"موجود" في قضية "الله موجود" هي من باب الهَليّة البسيطة، بعبارة أخرى، إن قضيةَ الله موجود لا تعني حملَ الوجود على الله كحملِ أيِّ صفةٍ على ماهيةٍ ما، بل تعني مُطلقَ الثبوتِ للماهيةِ في هذه القضية والتي هي "الله"، فثبوتُ الوجودِ لله من قَبيل الهَلِيّة البسيطة، أو كان التامة، التي تدلُّ على مطلقِ الثبوت، لا ثبوتِ شيءٍ لشيء.

وهذا الاستدلالُ لا يختلف عن غيرِه من حيث اعتمادُه في حُجّيّتِه على اللغةِ والتلاعبِ بالمفردات المترادفة، فليس الثبوتُ شيئا غيرَ الوجودِ والتحقق، وكونُ كان التامّةِ لا تعني نسبةَ شيء لشيء؛ لا يعني أن حملَ الوجود على الماهية لم يحصلْ فعلاً في قضية "الله موجود"، والردُّ الآخر هو القولُ بعكس الحمل، وقد ناقشتُه في مقال سابق بعنوان (عكس الحمل والهَلية البسيطة والمركبة). من هنا قلتُ إن المفاهيمَ التي بنيناها والاستدلالاتِ التي ركّبناها في إثباتِ وجودِ اللهِ ليسَت سوى تلاعبٍ باللغة، تختلفُ نتيجتُها ودلالتُها باختلافِ اللغةِ المستعمَلة، ولهذا يُنسبُ إلى نيتشه القولُ "أخشى أننا ما نزال نعتقدُ بالله لأننا ما زلنا نعتقدُ بقواعد النحو".


Monday, July 13, 2020

ما الوحي؟

يشكّل النبيُّ المحورَ الأساسَ في الدين للدور الذي يقوم به كحلقةِ وصلٍ بين الإله والبشر لإيصال رسالته إليهم. من هنا فإنه بإمكاننا أن ننظرَ للنبوة على أنها أصلُ الدين كموضوعٍ وتشريعٍ إلهي (كما في التعريف السائد للدين)، أي أنه لا يمكن معرفةُ قواعدِ الدين إلا عبرَ التشريعاتِ التي يأتي بها النبي، ولا يمكن معرفةُ ما يريده الإلهُ إلا عبرَ كلام النبي الذي ينطقُ نيابةً عن الإله. وتحدُّثُ النبيِّ باسمِ الإله يكون عبرَ الظاهرةِ الدينية المعروفة بـ "الوحي". والوحي -في الأدبيات الدينية- هو رسائل إلهية يرسلها الإله إلى النبي بتوسُّطِ ملَك، تتضمن هذه الرسائل تشريعاتٍ أو كلماتٍ وردوداً أو جُملاً وآياتٍ تشكّل في النهاية نصّاً مقدساً.


إلا أن مفهومَ الوحي لا يخلو من إشكالات عدة، أوّلها في تحديدِ ماهية الوحي. جميعُ تصوراتِنا للوحي جاءت عبر الدين، أي أننا لم نجربْ ظاهرةَ الوحي تجربةً مباشرة في الواقع، ولم ندركِ الوحيَ خارجَ نطاق الدين وخارجَ مفهوم النبوة، وفي هذا خللٌ منطقي يتمثّل بالحجة الدائرية، فالوحيُ يتعلق بالنبي (أي أن الوحيَ لا يكون بلا متعلَّق)، فلتصديقِ مبدأ الوحي لا بدّ من التصديق بالنبوة، إلا أن النبيَّ لا يكون نبياً إلا بالوحي! فهكذا لا يكون التصديقُ بالوحي إلا بعدَ التصديق بالنبوة، ولكنَّ التصديقَ بالنبوة مبنيٌّ على التصديق بمفهوم الوحي أولاً. وهذا يجرّنا إلى الحديثِ عن ماهية الوحي، فكما قلت إن الوحيَ في الأدبيات الدينية هو ملاكٌ يرسله الإله للنبي يخبره بأوامره، إلا أن هذا الوصفَ لا يخلو من إشكال كذلك، فمفهوم "الملائكة" لا نعرفه إلا من الأديان أو الأساطير والفلكلور الشعبي، فلا يصحُّ أن يدخلَ مفهوم "الملائكة" في تعريف الوحي حتى لا نقعَ في الحجةِ الدائرية ويكون الحديثُ عن الوحي والنبوة بلا معنى.


قد يقال: سبيل معرفة النبي ليس الوحي، بل المعجزة. والرد على هذا الادّعاد من وجهين: أولاً: الوحيُ يسبقُ المعجزةَ، أي أن المعجزةَ تكون على يد نبيٍّ لا على يد أي إنسان، والتسليمُ بكونه نبياً يستلزم ضمناً التسليمَ بمفهوم الوحي، لأنه لم يكن نبياً إلا بعدَ أن أوحيَ إليه، بعبارة أخرى، لا يصح التصديقُ بالمعجزة دون التصديقِ بمفهوم الوحي، ولا تصح معرفةُ النبي بالمعجزة مع عدمِ التسليم بأنه أوحي إليه. ثانياً: لم يكن اتّباعُ الناس للأنبياء بعد أن رأوا المعجزةَ مباشرة، في حالة الدين الإسلامي على الأقل، بل كان اتباعُهم للنبي لأجلِ المكانةِ الاجتماعية التي كان يتمتع بها والأخلاقِ التي يلتزم بها، لا لأجل أنّ من حوله رأى المعجزةَ مباشرة. وهذا يجرنا إلى إشكال آخر من إشكالات الوحي والنبوة، وهو أن التصديقَ بالنبي يعتمد على الإيمان المطلق بالمُدّعي من حيث إنه إنسان خيّر ذو أخلاق لا من حيث إنه نبي. وإنْ كان قد وقعَ أن آمنَ بعضُهم بالنبي بعد رؤيةِ المعجزة كما في قصة السحرة مع النبي موسى (إذا سلمنا بصحة القصة كحادثة تاريخية).


ومن إشكالات الوحي أن المفهومَ بحدّ ذاته مفهوم ديني، لا أتحدثُ عن المعنى الاصطلاحي أو الجذرِ اللغوي للكلمة، فليس المعنى اللغوي هو المراد من "الوحي" في سياق البحث هنا. وعند تحليل الوحي كظاهرةٍ فردية تحدث للإنسان الموحى إليه؛ لا يصح أن يقالَ مباشرة: هذا وحي! ولا يصح كذلك التصديقُ المباشر للإنسانِ الذي يزعم أنه يوحى إليه لمجرّد أنه ادّعى أنه يوحى إليه، ولا يصح كذلك القولُ إنه صادق لأنه نبي فلهذا يجب تصديقُه بدعوى الوحي! ففي هذا مصادرة على المطلوب، لأنه لم يثبتْ حتى الآن كونُه نبياً حتى يقال: يجب تصديقه. بل يجب أن يثبُتَ وجوبُ صِدقه بدليل خارجي، لا باعتبار أنه نبيٌّ يوحى إليه.

ادّعى مجموعة من الباحثين أن هذه الظاهرةَ التي تصيب الأنبياء، والتي تسمى بالوحي، هي مرضُ صرع الفص الصدغي، وبنوا هذه النتيجةَ من ملاحظةِ تشابه الأعراضِ التي تصيب النبيَّ أثناء تعرُّضه للحالة التي يُطلق عليها "الوحي" مع أعراضِ من شُخّصوا بهذه الحالة من رؤيتهم للأضواء وسماعِهم للأصوات التي لا يراها ولا يسمعها سواهم، والتشنجاتِ العضلية والتعرقِ والإحساسِ بالتواصل مع المطلق / الإله، إلا أنه لا يمكن الجزمُ بهذا التفسير ولا اعتمادُه اعتماداً قطعياً لتفسيرِ ظاهرة النبوة عبر التاريخ البشري، إذ يحتوي هذا التفسيرُ على عدةِ ثغراتٍ ولا يفسر بعضَ الظواهر في حياة الأنبياء، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهلُه تجاهلاً تاماً، فهو أحدُ التفسيرات الموجودة والتي أُقيمت دراساتٌ تدعمها. 


يبقى الإشكالُ قائماً في تفسير هذه الظاهرة التي تنتابُ من يدّعي النبوة، ولا يصحُّ أن يقال: هي ليست ظاهرةً طبيعية بل وحياً، ففي هذا الادعاءِ مصادرةٌ على المطلوب، إذ المطلوبُ في هذا المقام هو تحديدُ ما إذا كان الوحي أمراً موضوعياً لا تجربةً ذاتية فقط، وهذا إشكال آخر في مفهوم الوحي، وهو أنه غير قابل للتجربة إلا من قِبل من يدّعي أنه أوحيَ إليه. ولا أقصد بالتجربة هنا التجربةَ المختبريةَ، لكن مَن يدّعي النبوةَ يدّعي كذلك أنه يجرب الوحيَ حسياً، والإشكال هنا هو أن ما جرّبه مدّعي النبوة لا يمكن تجربتُه من غير المُدّعي للتأكد من صحته، من هنا فإنه لو ادّعى أحدُهم النبوةَ فلن يكونَ بالمستطاع دحضُ ادّعائه، إذ قد يقول إنه يوحى إليه، والوحي تجربة ذاتية لا يخوضها أي إنسان، ولن يكون بالإمكان تفنيدُ ادّعائهِ استقبالَ وحيٍ من عند الإله.


Saturday, July 4, 2020

ضميمة في التطبيق

ذكرتُ في المقال السابق بعنوان "الإله، بين الإيمان القلبي والاستدلال العقلي" برهانَ الحدوث الذي يعتمد عليه أغلبُ الإلهيين في إثباتهم ضرورةَ وجودِ الإله، واعتمادَ هذا البرهانِ على امتناعِ تسلسل العلل لا إلى نهاية في الزمن الماضي، وذكرتُ أن الاستدلالَ على امتناع التسلسل لا إلى نهاية يعتمد على برهانِ التطبيق والذي ينطلق من مبدأ "اللانهاية". أوردتُ في هذا المقال تقريرَ البرهانِ عند متكلمي الإسلام، وعلقتُ عليه بما ظهرَ لي من إشكالاتٍ حولَ تصوُّرِ المتكلمين لمفهوم المالانهاية. واعتمدتُ فيه على حاشيةِ إسماعيل الگلنبوي على شرح الجلال الدّوّاني على العقائد العضدية، وشرحِ المواقف بحاشية السيالكوتي والفناري، وكتابِ مصطفى صبري المشهور "موقف العقل والعلم…"، وشرحِ محيي الدين زاده على الفقه الأكبر لأبي حنيفة. ولم أجدْ في الدراساتِ الغربية ذكراً للاستدلال بالتطبيق على امتناع التسلسل، مع حضورِ برهانِ امتناع التسلسل باسمِ Infinite Regress Argument


يعتمدُ الإلهيون في إثباتِهم ضرورةَ وجودِ إلهٍ أزلي على بطلان تسلسل العلل لا إلى نهاية في الزمن الماضي، ولمّا كان كلُّ موجودٍ حادثٍ يحتاج إلى علةٍ تكون سبباً في وجوده؛ لَزِمَ انتهاءُ هذه العللِ إلى موجودٍ لا يحتاج إلى علة، يسمّيه الإلهيون "واجبَ الوجود". وفي تقريرِ امتناعِ التسلسل يذكر سعدَ الدين التفتازاني أنه "لو لم يكن في الموجودات واجبٌ لكانت بأسرها ممكنة، فيلزمُ وجودُ الممكناتِ لذواتها وهو محال (...) وأنّ كلَّ ممكنٍ لا بدّ له من فاعلٍ مستقل، أي مُستجمِعٍ لكل شرائطِ التأثير، وفاعلُ مجموعِ الممكنات لا يجوز أن يكون نفسَها". ولإثباتِ صحة بطلانِ تسلسل العلل إلى مالانهاية، أو لا إلى نهاية (وهو أدق، إذ "إلى" دالّةٌ على انتهاء الغاية، ولا غايةَ في المالانهاية)، يلجأ الإلهيونَ إلى برهانِ التطبيق الذي يدلّ على استحالة التسلسل، وهو عندهم أقوى البراهين. إلا أنه عند دراسةِ برهان التطبيق يتضحُ أنه ليس سوى لعبةٍ لغوية، فهو يكتسبُ حجيّتَه من التلاعبِ بالمصطلحات لا من الواقعِ الخارجي، كالمفارقات المنطقية والرياضية.


البرهان: لو قلنا إن هناك سلسلةً من الحوادث أو العلل ممتدةً في الزمن لا إلى نهاية، وأخذنا جزءاً من هذه السلسلة ووصلنا (طبّقنا) عناصرَها على عناصرِ السلسلة الأولى، فإن هذا سيؤدي إلى أن تكونَ السلسلةُ الأولى أكبرَ من السلسلة الجزئية، فيَنتجُ أن تكونَ مالانهاية أكبرَ من مالانهاية، وهذا مستحيل. 

البرهانُ كما يتضح مبنيٌّ على فكرةِ المالانهاية، ولا يخلو تقريرُ البرهان من عدة إشكالات، أحدها هو تصوُّرِ أنَ المالانهايةَ موجودٌ خارجي قابلٌ للقسمة. وافتراضُ أنّ المالانهاية موجودٌ قائم بذاتِه؛ ليس بدقيق، فالمالانهاية مفهومٌ ذهني لا وجودَ خارجيّاً له. ثم إن البرهانَ يفترض أنّ الزمنَ مفهومٌ مطلق وموجود قابل للقسمة وماهية مستقلة وجوهر قائم بذاته، فسلسلةُ المالانهاية في البرهان تعبّرُ عن الزمنِ في الماضي من جهة وقوعِ الحوادث (أو العلل) فيه، فلا حجيةَ في البرهان قبل تحرير مفهوم الزمن.


الگلنبوي في حاشيته على شرح العقائد العضدية يشير إلى هذا المبنى الذي يستندُ عليه برهانُ التطبيق، وهو استحالةُ وجودِ سلسلةٍ لامتناهية، وذلك لاستحالةِ وجودِ اللانهاية ضمنَ مجموعةٍ لانهائية أخرى. يقول: "لو وجد جملة (سلسلة) غير متناهية، لوجد في ضمنها جملة غير متناهية، وهذا محال (...) لأنه لو وجد جملتان غير متناهيتين، فعند تطبيق الآحاد على الآحاد، إما أن يكون بإزاء كلِّ واحدٍ من آحادِ الجملة الكبرى واحدٌ من آحادِ الجملة الصغرى، فيلزمُ مساواةُ الكلِّ للجزء، أو لا يوجد، فيلزم تناهي الجملةِ الصغرى، بل تناهي الكبرى الزائدةِ عليها بقدرٍ متناهٍ مع فرضِ لا تناهيهما، والكلُّ محالٌ فكذا وجودُهما". 

 وفي هذا نظر، فكونُ المالانهاية مجموعةً تحوي مجموعةً أخرى غير مُسلّمٍ به، لأن هذا على افتراضِ أن المالانهاية موجودٌ خارجيٌّ قابلٌ للقسمة، وليس هذا بصحيح. والبرهان قائمٌ على مقدمةٍ -قد تكون ضمنية- مفادُها أن مجموعةَ المالانهاية تتضمّن مجموعةً لانهائية أخرى، وهذا تحكّم بلا دليل، ومبناه على الغلطِ في تصور مفهوم الملانهاية، فنشأ الغلطِ في الحُكم عليها. 


يشير شارحُ المواقف -بحاشية السيالكوتي والفناري- إلى المأخذِ على البرهانِ من حيث عدم إمكانِ تصوّرِه إلا في الموجودات، والمالانهاية ليس بموجود خارجي حتى يصحَّ فيه استخلاصُ مجموعةٍ جزئية من مجموعة كلية ووَصْلُ عناصرِها ببعض كما هو الحالُ في برهانِ التطبيق. جاء في الحاشية "قوله 'ومن أنّ برهانَ التطبيقِ لا يتمُّ إلا فيما ضبطَه وجودٌ' في بحث، لأن الظاهرَ أنّ مرادَ المُنكِر لإمكانِ غير المتناهي من الأنواع أنه لو أمكن؛ لم يلزم من وجودِه محال، واللازم باطل، لأنه على تقدير وجوده يجري فيه برهانُ التطبيق، لعدمِ اشتراطِ الترتُّبِ فيه عند المتكلمين كما سبق، وحينئذٍ يلزم أحدُ المُحالَيْن: إما مساواةُ الناقصِ الزائدَ، أو تناهي ما فُرِضَ غيرَ متناهٍ.."


ينقل مصطفى صبري عن الكشميري أنّ برهانَ التطبيق لا يجري في معلوماتِ الله مع كونها لا متناهية.  وفي هذا مصادرةٌ على المطلوب من الكشميري، فالبرهانُ وُضعَ أصلاً لإثبات وجود الله، وعِلمُ الله فرعُ ثبوتِ أصلِ وجودِه، فلا معنى لمناقشةِ سؤال هل يجري البرهانُ في معلومات الله أم لا! يقول صبري: "وخصّه أي البرهانَ باللامتناهي السّيالِ إخراجاً لمعلوماتِ الله عن مجراه، وهذا التأويلُ يرجع إلى اختيارِ قول الفلاسفة في أحدِ الشرطين الزائدِ لبطلان التسلسل وهو شرطُ الترتيب، لكنّ الحقَّ أن قولَ العالِمِ المذكور (...) كله من قبيل تخصيصِ الأدلةِ العقليةِ التي يفسدها، لأن برهانَ التطبيقِ يجري في إبطالِ اللامتناهي مطلقاً.


الفكرةُ المغلوطة التي يستند عليها البرهان هي انطلاقُه من مبدأ تجزّؤ سلسلةِ المالانهاية إلى سلسلةٍ أخرى أصغر، وفي هذا تَحَكُّمٌ بمقدمةِ الدليل لضمانِ أن تكونَ نتيجة ُالبرهانِ مطابقةً للاعتقادِ المُسبَق. فمبدأ تجزّؤ سلسلةِ المالانهاية بحدِّ ذاته ينطوي على نقضٍ ذاتي، فلا معنى لتجزّؤ المالانهاية سوى أنّ المالانهاية صارت محدودةً، وهذا محال، وهو ما قصَدْتُهُ بالتحكمِ في مقدمة الدليل، فكون المالانهاية قد تجّزأتْ يعني أنّ المالانهاية صارت متناهيةً، وهو محال، ولا يصحُّ أن تكونَ مقدمةُ الدليل مبنيّةً على فرضٍ مُحال.

قد يقال: فرضُ المحال ليس بمحال. وهذا صحيح، على المستوى الذهني على الأقل، إلا أنّ المفترضَ من هذا البرهانِ هو دلالتُه على وجودِ إله، الذي هو جوهرُ الإيمان عند الإلهيين، ولا يصحُّ أن يكونَ جوهرُ الإيمان مبنيّاً على فرضِ محالٍ واحتمال، بل لا بدّ من أن يكونَ مؤسَّساً على حقائقَ يقينيةٍ دالّةٍ على مدلولِها دلالةً قطعيةً لا تَحتمِلُ الظّنَّ الاحتمال. ولمّا كان برهانُ التطبيقِ الذي يُرتجى منه إبطالُ التسلسل مبنيّاً على مبدأ تناهي المالانهاية؛ لم يكن صالحاً للاعتمادِ عليه والاستدلالِ به.


Saturday, June 27, 2020

الإله، بين الإيمان القلبي والاستدلال العقلي

في هذا المقال أطرح مفهومَ الإيمانِ القلبي وعلاقتَه بالاستدلالِ العقلي من حيث كونُهما أدلةً لوجود إله. فلم يدّخرْ فلاسفةُ الدين وعلماءُ الكلام واللاهوت جُهداً في صياغةِ أدلةٍ عقلية تثبتُ وجودَ إله وجاء مَن بعدهم مِن علماء الدين إما متبنّياً لِما قيل مِن قبله، أو مُطوِّراً لهذه الأدلة. إلا أنّ الاعتمادَ على البراهينِ العقليةِ لا يخلو من إشكالين: الأول أنّ أيّ برهانٍ عقلي لا يدلُّ بذاته على إله الأديان، بل لا بدَّ من اجتماعِ الأدلة العقلية كلِّها لتدلَّ على الإلهِ ذي الصفات والذي نجده في الأديان (أهورا مزدا، يهوه، الله..). الثاني أن هذه البراهينَ العقليةَ لا يخلو كلُّ واحد منها مِن ثغراتٍ منطقية تنزل به من رتبةِ اليقينِ والقطع إلى رتبة الظنِّ والاحتمال. من أجل ذلك ظهرَ بعضُ الفلاسفة ممن استبدلوا الفطرةَ والتسليمَ القلبيَّ بالبراهينِ العقلية، وقد جادلوا بعدم قدرةِ العقلِ النظري على إثباتِ وجود إله. فالإيمانُ الدينيُّ -عند هؤلاء الفلاسفة- المبنيُّ على البراهينِ العقلية قابلٌ للنقض، غيرُ دالٍّ دلالةً قطعيةً على المدلولِ المرادِ إثباتُه، أما الإيمانُ القلبي فلا يقبلُ النقضَ ولا يطرأ عليه الشك. وقد عَرضتُ آراءَهم مُعلِّقاً عليها ببعض الملاحظاتِ التي تلزَمُ من ادّعاءاتِهم وهم: إيمانويل كانت، سورين كيركجارد، ابن عربي، سبينوزا، والمفكر المعاصر عبدالله جوادي آملي.

-


اجتهدَ فلاسفةُ الدين في إبداع وتطوير الأدلة العقلية على وجود الله، رغبةً في إقناع غير المؤمنين بقضية وجود الله  بكونها قضيةً حتميةً وأن الإيمانَ بها حتمي، أي أنه -في رأيهم- ليس لأحد أن يختارَ أن يؤمنَ بالله أو لا يؤمن، حيث إن الاعتقادَ بوجود الله بدهيٌّ، وإن لم يكن بدهياً، فالأدلةُ النظرية فيه قطعيةُ الدلالة. وفي هذا خلطٌ بين أمرين: الأول الخلط بين التصديق المنطقي والتصديق الإيماني (القلبي). والثاني المماهاة بين "الله" من جهة، و "السبب الأول" من جهة أخرى. ففيما يتعلق بالتصديق المنطقي والتصديق الإيماني، فإن التصديقَ المنطقي يتمثلُ القضايا التحليلية ِالتي يُحمل فيها المحمول على الموضوع لا من باب إضافة حُكم جديد للموضوع، وإنما يقع التصديقُ بنسبة الحُكم بين الموضوع والمحمول بمجرّدِ تصور الموضوع، ومثال هذا يكون في قضية "المثلث شكلٌ هندسي ذو ثلاثة أضلاع".


السبب في البحث في أنواع القضايا المنطقيةِ هو أن نتوصّلَ إلى تصنيفِ قضية "الله موجود" أو "هناك إله" تحت أي صنف من القضايا المنطقية أو اللغوية، فيكون السؤال هل قضية "الله موجود" قضيةٌ تحليلية أم تركيبية؟ وهل هي قضية بدهيةٌ أم نظرية اكتسابية؟ فإن كانت اكتسابيةً فلا بد أن ندركَ النسبةَ بين طرفيها، وقبل إدراكِ النسبة لا بد من تصوّرِ المفاهيمِ الجزئية التي تتكون منها هذه القضية، من هنا يبدأ البحثُ في مفهوم "الله"، ومفهوم "الوجود"، ولا بد من تصورِهما تصوّراً تاماً صحيحاً حتى تصحَّ نسبة أحدِهما إلى الآخر، فلا يصح أن ننسبَ مفهوماً مجهولَ الماهيةِ إلى مفهومٍ مجهول آخر! والقولُ إن للإله ماهيةً يؤدي إلى لوازمَ ممتنعةٍ ناقشتُها في مقال سابق، وكذلك القول باستحالة الماهية على الله يؤدي أيضاً إلى لوازمَ مستحيلةٍ على مباني مَن يؤمن بوجوده إيماناً يستند على قواعدَ عقليةٍ.


أما الأمر الثاني الذي يخلط فيه أصحابُ الأدلةِ العقلية على وجود إله هو مماهاةُ مفهوم "الله" مع مبدأ "السبب الأول"، أو أيِّ علة وُجد الكونُ بسببها. ينطلق المؤمنُ في إثباته وجودَ الله مِن كونِ العالَم محتاجاً إلى مُحدِث، مباشرةً إلى إثباتِ إله الأديان (الله، يهوه، أهورا مزدا..). إلا أنه لا يصح -إذا رُمنا بحثاً علمياً مُحقَّقاً- أن نساويَ بين مفهومِ إله الأديان وسببِ خلق الكون، فإلهُ الأديان قضية معرفية، أي أن جزءاً من معرفته ينبني على معرفةِ صفاتِه وأفعالِه، أما علةُ وجود الكون فقضيةٌ وجودية.


يتبين من هنا أنّ السعيَ العقليَّ وراء إثبات إله -فضلاً عن "الله"- سعياً غيرُ مثمر، فلا يخلو أيُّ دليلٍ عقلي من فجواتٍ منطقيةٍ تجعله غيرَ صالحٍ للاستدلال لورود الاحتمال عليه. وقد فَطِنَ عددٌ من الفلاسفة لهذه الحقيقة، فلم يعوّلوا على البراهين العقلية، واستبدلوا أدلةَ الفطرةِ والأخلاق والتسليم القلبي مكانَ البراهين العقلية. العقلُ النظري عند إيمانويل كانْت غيرُ قادرٍ على إدراك حقائق الأشياء، وغيرُ قادر على إدراك العالم الموازي لعالم الظواهر، وهو "عالم الشيء في ذاته". فالعقلُ النظري البشري غير مبرمَج على الدخول لهذا العالم، فإذا حاول البرهنةَ العقلية على ما يوجد في هذا العالم؛ فسيكون بحثُه بلا معنى. إنّ إثباتَ وجودِ هذا العالم الموازي الكانتي يحتاج أدلة أيضاً، إلا أنني لستُ هنا في صددِ مناقشة كانْت في أصل وجود عالم الشيء في ذاته. ما أريد قوله هو أن كانْت وضعَ مفهوم "الله" في هذا العالم. بعبارة أخرى لن يستطيعَ العقل أن يصِلَ إلى الله عن طريق البراهين العقلية، ومهما حاولَ العقلُ أن يَصيغَ الاستدلالاتِ العقليةَ لإثباتِ وجود الله فلن يصلَ لغاية، وفي هذا يقول كانت: "لقد وجدتُ من الضروري أنْ أنكرَ المعرفةَ حتى أفسحَ مجالاً للإيمان". ولهذا اجتهدَ كانت في تشكيلِ مذهبٍ أخلاقي يتناسب مع ادعائه بضرورة وجود الله، وهذه الضرورةُ لا تنبع من العقل، وإنما من الضمير الأخلاقي.


نجد مثل هذا الفهم للدين الذي يعتمد اعتماداً كاملاً على الإيمان القلبي دونَ البرهان العقلي عند سورين كيركجارد. يذكر كيركجارد أن الإيمانَ الدينيَّ غيرُ منسجمٍ مع الاستدلال العقلي، وأن المؤمنَ يجب ألا يسعى للبرهنة العقلية على صحةِ إيمانه، فالعقل عنده لا يزوّدُ الإنسانَ بمعارفَ يقينيةٍ، والسببُ أن جميعَ البراهين العقلية تَقبل أن تُدحَضَ بحججٍ عقلية أخرى، وحتى لو لم توجدْ حجةٌ عقلية تقوّضُ أساسَ الإيمان العقلي؛ فإنه -أي الأيمان العقلي- يبقى قابلاً للدحض، وفي هذا السياق يقول: "ولو رحتُ أخوض في الأدلة فإنني سأضطرّ للبقاء في حالةٍ قلقةٍ خوفاً من أن يطرأ أمرٌ مذهل للغاية ينسف أساسَ برهاني".


 يؤكد منهج كيركجارد أن الاستدلالَ العقليَّ المحضَ لا يؤدي بالضرورةِ إلى الإيمان بإله الأديان، وإن كان قد يقود إلى التسليم الاحتماليِّ بوجود بداية وسبب لوجود الكون، ثم إلى احتمالٍ أضعفَ لكون هذا السبب عاقلاً، ثم احتمالٍ أضعف لكون هذا السبب العاقل هو ما يتصوّره البشر من مفهوم "إله"، ثم يستلزم ذلك أن يتم َّإثباتُ صحةِ أنه يتواصل مع البشر عبر البشر أنفسهم (الأنبياء). والإشكال في هذا السردِ الدينيّ أنه يستخلص أدلةَ تحقُّقِه من نفسه. بعبارة أخرى، إن الأدلةَ العقليةَ التي نجدها في علم الكلام والفلسفة الإسلامية واللاهوت المسيحي واليهودي؛ ليست إلا محاولاتٍ لإيجاد تعليلٍ عقلي للعقائدِ التي يؤمن بها المتديّنُ مسبقاً، لا أنّ هذه القواعدَ العقلية تقودُ بالضرورة إلى التصديق المنطقي بإله، أو بالأنبياء والأديان التي جاؤوا بها. لهذا سار كيركجارد على أن الإيمانَ الدينيَّ محلُّه القلبُ لا العقل، ولا يستطيع العقل مُمَثلاً بالبراهين العقلية أن يخدمَ القضايا الدينية.


 يتقاطع منهجُ كيركجارد الديني مع فكر ابن عربي من حيث كون الإيمانِ القلبي أعمقَ وأقوى من الإيمان المبنيّ على الاستدلال العقلي، فالأدلةُ العقلية قابلةٌ للنقض، وتتفاوت البراهينُ من حيث القوةُ الضعف ووضوحُ الدلالة، أي أنه لا يمكن التوصلُ إلى إله الأديان ذي الصفات إلا بالاعتماد على دليل عقلي واحد، فبرهانُ الإمكان مثلا لا يثبتُ وجود إله الأديان، وبرهان النظم دلالتُه على وجود إلهٍ دلالةٌ ظنيةٌ لا قطعية، وبرهانُ الحدوث مبنيٌّ على امتناعِ التسلسل، وامتناعُ التسلسل مبنيٌّ على برهان التطبيق والذي لا يخلو من إشكالات ناقشتُها سابقاً. من أجل ذلك كان الإيمانُ الدينيُّ المبني على البراهين العقلية قابلاً للنقض، غيرَ دالٍّ دلالةً قطعيةً على المدلولِ المراد إثباتُه، أما الإيمان القلبي فلا يقبلُ النقض -عند كيركجارد وابن عربي- ولا يطرأ عليه الشك.


يقول ابن عربي: الإيمانُ الذي يخالط بشاشةَ القلوب لا يُتصوّر في صاحبه شك، لأن الشكَّ لا يجد محلّاً يعمره، فإنّ محلَّه الدليل. ويقول: السليمُ العقل مَن يترك ما أعطاه نظرُه في الله ونظرُ غيرِه مِن أصحاب المقالاتِ بالنظر الفكري، ويَرجع إلى ما قالته الأنبياءُ وما نطقَ به القرآنُ فيعتقده.

الإشكالُ في هذا المنهج الفكري في تعليلِ أساس الدين أن الإيمانَ يصبح ذاتيّاً لا حقيقةً موضوعية، إذ مرجِعُه إلى القلب لا الدليل، ولا يكون الاعتقادُ بإله حجةً إلا على مَن خاضَ هذه "التجربة الدينية" مع المقدس، فإنْ لم تحصلْ له هذه التجربةُ الروحية، لم يكن مُلزَماً بالإيمان. ثم إن التعويلَ على النصِّ المقدس أو كلام الأنبياء في تشكيل الإيمان لا يصحّ، إذ كلاهما مرهونٌ بموافقته قواعدَ العقل، فإنْ وافقَ العقل؛ فليس للإيمان القلبي حينئذٍ قيمةٌ، إذ براهينُ العقلِ السليمةُ مُلزِمة، وليست ذاتيةً. إلا أننا نقع في إشكالٍ آخرَ وهو أنه إذا كان العقلُ غيرَ قادرٍ على التوصُّلِ لإثبات إله وبالتالي إثبات أحقّيّةِ الأديان، وفي نفس الوقت لا يكون الإيمانُ القلبي حجةً إلا على من حصلَتْ له هذه التجربةُ الدينية، فلا يكونُ للدين ولا للإله حجةٌ مُلزِمةٌ للاعتقاد بهما!


عبدالله جوادي آملي من المفكرين الذين ذكروا ما يشبه هذه الفكرة. يقول في كتابه "تبيين براهين اثبات خدا "بسياري از کسانى که به گمان خود از شناخت علمى و برهانى نسبت به مبادى دينى برخوردار هستند، فاقد ايمان دينى بوده و رفتار مشرکانه و الحادى دارند، چنان که بسيارى از مؤمنان نيز نسبت به آنچه به آن ايمان دارند، توان اقامه برهان و استدلال را ندارند". يقول: كثيرٌ من المفكرين والعلماء يمتلكون أدلةً لتحقيق المباني الدينية، إلا أنهم غيرُ مؤمنين، ولا يتصرفون في أفعالهم وفقَ اعتقادهم بهذه الأدلة، وفي نفس الوقت هناك كثير من المؤمنين (المنتسبين للأديان) ليس باستطاعتهم إقامةُ البرهان العقلي على إيمانهم". يشير جوادي آملي هنا إلى أنه لا ملازمةَ منطقية بين الدليلِ العقلي والإيمان، فقد يملك غيرُ مؤمن بوجود الإله كلَّ البراهينِ على وجوده، ولا يقوده هذا إلى الإيمان به. والعكس صحيح، فقد يوجد مؤمنٌ موقِنٌ بوجود الله ولا يملك دليلاً عقلياً على وجوده. وهذا ما ذكره إليه الفلاسفة المشار إليهم سابقاً من كون البراهينِ العقلية غيرَ قادرةٍ على التوصُّلِ إلى إثباتِ وجود أو معرفة الله، إلا أنّ جوادي آملي لم يذكرْ عدمَ إمكانِ العقل النظري على الاستدلالِ على وجود الله، وهو نفسه افتتحَ كتابه بمقدمةٍ منطقية ليبنيَ أدلةَ وجود ِالله عليها، يقول: براي رسيدن به مطلوب، برهان اگر به صورت قياس اقترانى تنظيم شده باشد ، لازم است". يشير إلى ضرورةِ تشكيلِ برهان عقلي للوصول إلى المطلوب في المقام، وهو وجودُ الله.


ما قاله جوادي آملي أشارَ إليه سبينوزا في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يقول سبينوزا: لا توجد أيّة صلةِ قرابةٍ بين الإيمانِ واللاهوت من ناحية، والفلسفةِ من ناحية أخرى (...) فغايةُ الفلسفةِ الحقُّ وحده، وغايةُ الإيمانِ هي الطاعةُ والتقوى". فمضمونُ الكلامِ أن الإيمانَ الديني عند سبينوزا لا يتعلق بالحق، وليس الحق غايةَ الإيمان، فالإيمان يتحققُ بطاعة موضوع الإيمان، وهو الإله، وأكملُ المؤمنينَ إيماناً ليس من يَنشدُ الحقَّ، وإنما مَن يمتثلُ للأوامر.


Sunday, June 14, 2020

اللغة والملَكة اللغوية

في هذا المقال أناقش مفهومَ اللغة والملكةِ اللغوية، من حيث كون اللغةِ التي يكتسبها الإنسانُ ثم يتحدث بها ترجع في أصلها إلى ملَكةٍ عقلية أطلقتُ عليها مصطلحَ "الملكة اللغوية". يولد الإنسان مُزوَّداً بهذه الملكة اللغوية، أي أنه لا يكتسبها بعد وعيه كما يكتسبُ أيَّ مهارة أخرى. ثم حددتُ الفرقَ بين مفهومي "الملكة اللغوية" و"اللغة"، من حيث كون الملكةِ اللغوية مفهوماً، واللغةِ المكتسَبةِ مصداقاً. ثم أشرتُ إلى دور اللغة المستخدَمةِ وفق قواعدَ متعارفٍ عليها في تشكيلِ المنظومةِ المعرفية للأفراد والمجتمعات، من حيث كون اختلافِ طبيعة الوعي المجتمعي والفردي يرجع إلى طبيعةِ اللغة المستخدمة، فتكون العلاقةُ بين اللغة والفكر هي علاقة السبب والمسَبَّب.

-

قلت في مقال سابق إن علاقةَ اللغة بالفكر لا تقتصر على "التأثير" فقط، بل إن نظامَ الاعتقاد عند الفرد يكاد يكون متأسساً على اللغة، أي أن اللغةَ تعمل على تشكيل المعاني الذهنية في العقل الإنساني، بحيث إذا اختلفتِ اللغةُ تغيّرَ نظام الفكر. والحديث عن اللغة في هذا السياق لا يُقصد به تحديدُ مصداقٍ للُغة بعينها كالعربية أو الإنجليزية، وإنما يقصد باللغة تلك القابلية للإدراك Potentiality التي تنشأ مع الإنسان عند وعيه، ومرجِعُ هذه القابلية إلى ملَكةٍ عقلية بإمكاننا أن نسمّيَها "الملكة اللغوية". والمقصود بهذه الملكة القدرةُ والقابلية العقلية عند الإنسان التي تمكّنه من تعلُّم لغة ما. نستطيع أن نفكر في اللغة في هذا السياق كما فكّر "إيمانويل كانْت" في الزمان والمكان، من حيث إن الزمان والمكان ملكاتٌ عقلية لا موجوداتٌ خارجية مطلقة. ولتوضيح هذه الفكرة، نستعين بتشبيهها بالعين والنظارة الملونة، فلو وضع الإنسانُ على عينيه نظارةً حمراء، فسيرى العالمَ كلَّه أحمر، ولو وُلد الإنسان وعلى عينيه هذه النظارة الحمراء، فلن يرى العالم سوى أحمر اللون، بل لن يكون بمقدوره أصلاً التفكيرُ في أن هذا لونٌ "أحمر"، لأنه بالنسبة له هذا هو ما تبدو عليه الحياة، هذه هي الحياة "الطبيعية".


نعود لفكرة "كانْت"، نستطيع تصوّرَ الزمان والمكان كنظارةٍ لكنها وُضِعَتْ على عقولنا، لا نستطيع أن نرى العالم إلا من خلالهما، بل لا نستطيع أن نتصورَ خُلُوَّ العقل من هذه الملَكات، فهما ليسا موجوداتٍ خارجيةً، وإنما "حدوس قبلية". اللغة كمفهوم تشبه ملَكتَيِ الزمان والمكان، فاللغة بهذا المعنى مَلَكة للحكم كذلك، أي شرطٌ للإدراك المعرفي، نرى العالمَ من خلالها، وهذه الملَكة عقلية، أي أنها لا تُكتسب من خلال التعلم، بل يولد الإنسان مزوَّداً بها، تماماً كملكة الزمان والمكان، لا تنفكّ عن العقل. ولا يختلف الناس بهذه الملكة، إذ هي واحدة عندهم، إنما الاختلاف في مصداق "اللغة"، أي يكون الاختلاف في النظام اللغوي الذي يكتسبه الإنسان من محيطه، وهذا النظام يسمى اللغة، ويختلف عما أطلقنا عليه "الملكة اللغوية"، فإذا كانت "الملَكة اللغوية" هي المفهوم، فإن "اللغة" هي المصداق.


وإن كان يبدو غيرَ دقيقٍ أن نطلقَ على "اللغة" لفظَ مصداق، إذ الألف واللام فيها تدلّان على أنها الجنس، والجنس يشير إلى المفهوم لا المصداق، فالأدقّ أن تكون لغةٌ ما هي مصداقُ "اللغة"، فإذا كانت "اللغة" هي المفهوم، فإن "اللغة العربية" مثلاً مصداق لهذا المفهوم. لكنني أقول إن "اللغة" مصداق، والألف واللام في "اللغة" تكون للعهد الذهني الدالِّ على أيّ لغةٍ يتصورها القارئ في ذهنه. (هذا الاختلاف بحدِّ ذاته يثبت ما نحن في صدد الحديث عنه، فالاختلاف الوظيفيُّ للألف واللام الداخلة على الكلمة، ثم اختلافُ الدلالةِ الناشئ عن اختلافِ الوظيفة؛ دالٌّ على تأثير القواعد اللغوية في عملية تشكيلِ فكرةٍ ما، ولا يقتصر هذا على اللغة العربية فحسب، بل على جميع اللغات في العالم، إذ لا تخلو لغةٌ من ظواهرَ لغويةٍ مميِّزةٍ لها عن غيرها).


يتعلم الإنسان لغةً ما بهذه الملكة، أي من خلال استغلال الملكة اللغوية للعقل. ولتوضيح الفرق بين اللغة والملكة اللغوية، يمكننا أن نشبّهها بأي ملكة ومهارة أخرى، كالشعر مثلاً، فإن الشاعرَ يَنظم قصيدة أو يرتجلُ شِعراً بفضل ملكة عقلية يمكننا أن نطلق عليها "ملكة الشعر"، فالملكة كما قلنا تعني القابلية والقوة Potentiality. الفرق بين ملكة اللغة وملكة الشعر أن الأولى مغروسةٌ في عقل الإنسان لا تنفكّ عنه، والثانية يُتصور أن يولد الإنسانُ دونها، فلا تخصُّ إلا صاحبَها، وهو "الشاعر" في هذا المثال، ويمكن أن نستبدل الموسيقيّ مثلاً بالشاعر من حيث إن المهارةَ تنطلق من مَلكةٍ عقلية.


وقد يصح القولُ كذلك إن اختلافَ الملكة اللغوية عن غيرها من الملكات هو أن المهاراتِ كالشعر والموسيقى يمكن أن تُكتسب دون ملكة أو قابلية مُسبَقة لهذه المهارة، ثم تتكون الملكةُ بعد الدُّربة والممارسة، وهذا لا ينطبق على اللغة كمفهوم، حيث إن الإنسانَ لا يتعلم اللغة، نعم يتعلم لغةً ما (مصداق)، إلا أنه لا يتعلّم مبدأ اللغة (مفهوم)، مثلما أنه لا يتعلم الحكم على الأشياء من خلال النظر إليها في قوالبِ الزمان والمكان، ومثلما أنه لا يتعلم قوانينَ العقلِ الأولية، ومن هنا كان من المفيدِ التفريقُ بين اللغةِ كملكةٍ عقلية، واللغةِ كمصداق.


 إن اللغةَ التي يتعلمها الإنسان، والتي يكتسبها بفضل وجود الملكة اللغوية؛ تكون ذاتَ نظامٍ معين وقواعدَ محددةٍ متفقٍ عليها بين المتحدثين بنفس اللغة. وليس من الغريب أن يتشاركَ المتحدثون باللغة ذاتها عينَ النظامِ الفكري وطريقةِ الاعتقاد وتكوين الأفكار. وليس من المؤكد، إلا أنني أزعم أن تشابهَ اللغةِ هو السببُ في تشابه المنظومة المعرفية للمجتمع الواحد والقبيلة الواحدة وحتى للأسرة الواحدة، فالاختلاف الثقافي بين الأُسَر في المجتمع الواحد يرجع إلى اختلافِ طريقة استعمال اللغة بين أفراد هذه الأسرة، فاللغة هنا سبب لاختلاف أو لوحدة الأعراف الاجتماعية، أي أن العلاقةَ بين تشابه اللغة بين الأفراد الناطقين بها من جهة، والمنظومة الفكرية والاجتماعية من جهة أخرى؛ هي علاقةُ السبب والمسبَّب، بعبارة أخرى، إن تشابهَ اللغة هو السبب في اجتماع الأفراد تحت مظلةٍ اجتماعية وفكرية واحدة، من حيث كون اللغةِ المتخاطَبِ بها مَنشأً للأفكار. نجد هذا ظاهراً في ميل الإنسان إلى مخالطة من يتحدث بنفس لغته، وذلك لسهولة التواصل الفعّال بينهم، وليست فعاليةُ التواصل بسبب اللغة فحسب، بل لأن النظامَ الفكريَّ المصاحبَ لهذه اللغة متشابهٌ عند المتحدثين بنفس اللغة. ويكثر الجدل حول مُدخليةِ اللغةِ في التكوين الفكري للفرد في سياق البحث في موضوع "هوية" الفرد والمجتمع، وما يدخل في تكوين هذه الهوية وما لا يدخل، إلا أن هذا الجدلَ خارج نطاق البحث هنا.


إن الملكةَ اللغوية -والتي بدأنا الحديث عنها- هي ما تمكّن الإنسانَ من اكتسابِ لغات إضافة للغته، فإذا أخذنا بعينِ الاعتبار اختلافَ الأنظمةِ الدلالية والنحوية وقواعدَ بنيةِ الكلمة ثم الجملة في اللغات، فإن إدراكَ هذا يرجع إلى الملكة اللغوية التي لولاها لكان الإنسانُ ينطق بأصواتٍ يكررها دون إدراك لما تشير إليه، فغير مُستبعَدٍ في هذه الحالة أن يتفوّقَ في تركيب الجملة تركيباً صحيحاً، إلا أنه لا يكون قادراً على إنشاء جملةٍ صحيحةِ المبنى وذات دلالة مفيدة، وأعني بـ "صحيحة" هنا أي أنها موافقةٌ للقواعدِ التي اتفقَ عليها المتحدثون بهذه اللغة، وليس المقصودُ الصحةَ الموضوعية، أي مطابقةَ القضيةِ للواقع الخارجي، فلا ينطبق هذا على اللغة كمصداق. قد يقال إن القدرةَ على إنشاء جمل صحيحة ومفيدة يرجع إلى العقل لا الملكة اللغوية. وفي هذا شيء من الصحة، إلا أن مفهومَ "العقل" في هذا السياق مفهومٌ عام، غير متعلِّقٍ بالحديث عن اللغة، ويمكننا القول إن النظرَ إلى العقل يختلف باختلاف حيثيّةِ النظر، أي أن العقلَ من حيث هو قادرٌ على اكتساب اللغة يُسمى "ملكة لغوية".


Tuesday, June 9, 2020

عكس الحمل والهليّة البسيطة والمركبة

في هذا المقال أناقش أشهرَ الردود على الإشكال الوارد على القضايا التي يكون فيها الوجود محمولاً. الرد الأول هو القول بعكس الحمل، والرد الثاني هو في التفريق بين الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة. وقسّمتُ المقال -لطولِه- لثلاثةِ أجزاء مرقّمة للتسهيل. في الجزء الأول وضّحتُ الإشكالَ المرادَ حلّه وهو كون الوجود محمولاً في القضايا أو الجُمَل، والإشكالَ في القول إن "الله موجود". وفي القسم الثاني بيَّنتُ عدمَ صحة حمل الوجود على الماهية في قضية "الله موجود"، وعدمَ صحة ‫القول إن "ماهيّةَ الله هي وجود" وما ينبني عليه من القول بمبدأ "واجب الوجود". وخَلَصتُ إلى نتيجتين: الأولى أن ‫القول بأن وجود الله هو ماهيته (أو جزء من ماهيته) غير دقيق، ولا يتوافق وما تحمله دلالةُ مفهومِ "الماهية" من معنى، ومن حيث اختلاف معنى الماهية عن الوجود، والثانيةِ أن القول بأن وجود الله منفك عن الماهية يلغي مبدأ واجب الوجود.‬ وفي القسم الثالث ذكرت حلّ إشكالِ حملِ الوجود على الماهية، وهو القولُ بعكس الحمل، والتفريقُ بين الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة، وناقشتُ كِلا الرّديْن وبيّنتُ الإشكالَ فيهما.


١

ينتهي البحثُ في مسألة وجود الإله إلى نتيجتين، إما إلى قضية "الله موجود"، أو "الله غير موجود". إلا أنّ الإشكالَ في قضية "الله موجود" (وما يقال في القضية المُثبَتة يقال في المنفية) هو كون الوجودِ محمولاً فيها. بعبارة أخرى، جاء "الوجود" في هذه القضية كـ "صفة" للموصوف (الماهية) وهو "الله". لكن مجيءَ الوجودِ محمولاً في في هذه القضية لا معنى له، إذ إنه لا يُضيف أيَّ معنىً زائدٍ على الماهية في القضية (والماهية هنا هي الله)، فاستخدامُ لفظ "الله" كموضوعٍ للقضية يجعل من إثباتِ المحمولِ (الوجود) تحصيلاً للحاصل. مثال للتبسيط: لو قلت "السيارة حمراء"، فإنني أكون قد حملتُ الحُمرة على السيارة، أي وصفتُ السيارة بالحُمرة، ومجردُ وصفي لها يتضمّنُ وجودَ سيارةٍ في الواقع الخارجي تم إدراكُها عن طريق الحس ثم وصْفُها بهذا اللون، أي أنه يجب أن تكون السيارةُ التي أتحدث عنها وأصفها موجودةً أولاً حتى يصحَّ أن أطلقَ عليها أيَّ وصف.

لكن إذا كانت السيارةُ أمامي وقلت: السيارة موجودة، فإن كونَ "الوجود" صفة للسيارة لن يضيفَ أي معنىً زائد على الماهية من حيث تحققها في الخارج، فالماهية المتحققة في الخارج تستلزم "الوجود"، فتصبح قضية "السيارة موجودة" تحصيلاً للحاصل، لأنه بمجرد قولي "سيارة" سيتضمن هذا أنها موجودة.


‏زيادةُ توضيح: عندما أقول: محمد شجاع، فإن "شجاع" صفةٌ زائدةٌ على الماهية (محمد)، وهذه الجملةُ تدلُّ ضِمناً على وجودِ الموضوع (محمد) الذي نِصِفه بالشجاعة، ولا يصح السؤال: فهل محمد موجود؟ لأنّ وصفيَ له بالشجاعة يستلزمُ وجودَه أوّلاً حتى يصحَّ وصفُه. ‏أما إذا قلت: محمد موجود، فإن مجيءَ "الوجود" هنا محمولاً يجعل القضيةَ غيرَ ذات معنى، إذ استخدامُ (محمد) كموضوع (مبتدأ / مسند إليه) يفترِضُ وجودَه مسبقاً، فلما أُضيفَ له الوجود كان هذا تحصيلاً للحاصل، وقِس على ذلك قضيةَ "الله موجود". ولهذا فإنّ ‏مجيءَ الوجودِ في موضع محمولِ القضيةِ يجعلها بلا معنى.


نعود إلى قضية "الله موجود". هذه القضية تأتي كنتيجة لبراهينَ تثبت "وجود" الله وجوداً فعلياً متحققاً في الخارج. لكنّ القولَ إن الله "موجود" يوقعنا في الإشكال الذي تحدثنا عنه وهو كون الوجود "صفة" للماهية أو "محمولاً" على موضوع القضية وهو "الله". ووصفُ الموصوف بصفة ما يستلزم وجودَ هذا الموصوف أولاً حتى يصحَّ وصفه، ولا معنى لوصفه بأنه "موجود"، إذ مجرد قول "الله" يعني أنه يجب أن يكون موجوداً، وهذا مصادرة على المطلوب، لأننا في مقام إثبات صحة وجود كائن بهذه الصفات، والذي يُطلَق عليه "الله". وهذا في جميعِ القضايا التي يكون فيها الوجودُ محمولاً. ‏ولا يقتصرُ هذا على القضايا الموجبة، بل حتى السالبة (المنفية): فجملة "الله غير موجود" لا معنى كذلك، ومساويةٌ في (عدم) الدلالة لجملة "الله موجود" إذ في كليهما جاء الوجودُ محمولاً (خبراً / مُسنَداً)، فكما أنّ قضيةَ "الله موجود" لا معنى لها؛ قضية "الله غير موجود" لا معنى لها كذلك، إذ إن ‏مآلَ القضيّةِ الأولى تحصيلُ الحاصل، والثانية الجمعُ بين النقيضين.


‏يصحُّ فقط وصفُ الإله بالصفات التي تضيف معنى زائداً على الماهية، بالقضايا الموجبة والسالبة مثل: الله رحيم، الله غير رحيم، الله ظالم، الله غير ظالم. ‏إلا أن الإشكالَ في هذه القضايا هو افتراضُها المسبق "وجودَ إله" الذي هو محلُّ النزاع، وبالتالي نقع في المصادرةِ على المطلوب.



٢

حمل الوجود على الماهية في قضية "الله موجود"، أو ‫القول إن ماهيّةَ الله هي وجود؛ قولٌ غير دقيق لعدة وجوه:‬

‫١- الوجود مقابلٌ للماهية وليس جزءاً منها‬: أي أنهما مفهومان متباينان فلا يكون أحدُهما جزءاً من الآخر، وهذا على المستوى الذهني، أما في الواقع الخارجي فإنني عندما أشير إلى س من الموجودات، فإنني أشير إلى وجوده وماهيّته، فالماهية والوجود لا ينفكّان في الواقع الخارجي. أما من حيث المفهوم، فالماهية لا يَلزم من تصوّرِها وجوبُ الوجود ولا وجوب العدم‬، أي إن مجردَ تصوُّرِ مفهوم / ماهية الإنسان، فإننا نتصور الصفاتِ المقوِّمةَ لهذا المفهوم وهي الحياة والعقل، دون دخول مفهوم "الوجود" في تصور الماهية، وهذا معنى القول "الماهية من حيث هي ليست إلا هي".


‫٢- القول إن لله ماهيةً يعني أنه قابل للتعريف، وكونه قابلاً للتعريف يؤدي إلى الدور المنطقي‬، ‫لأن التعريفَ -بالحدّ أو الرسم- يكون بالجنس والفصل والخاصة، ودلالات هذه المفاهيم لا بد أن تكون "موجودة" حتى يصحُّ حملُها (نسبتُها) على الماهية، فلو كانت ماهيةُ الله هي وجوده، للزم من هذا القول: إن وجودَ الله هو وجوده، وهذا لا معنى له. ‫لهذا يجب أن تكونَ ماهيةُ الله أمراً غيرَ الوجود. ولكن إذا كانت ماهيتُه لا تنطوي على وجود، فهذا يعني أن وجودَه ليس واجباً، ومبدأ "واجب الوجود" هو ما يتمسك به المؤمنون بوجود الله لإثبات صحة ووجوب الإيمان به، إذ إنه لو لم يكن واجباً لكان ممكناً أو مستحيل الوجود، وكلاهما لا يتوافقان ووصفَ الألوهية. فالحاصل أن وصفَ الإله بوجوب الوجود لا يصح، ووصفه بإمكان الوجود ينزع عنه صفةَ الألوهية.

‫‫لا يصحّ أن يقال: "بما أن وجود الله واجب، إذن فماهيّته هي وجوده" فهذه مصادرة على المطلوب، ‫لأن ثبوت مبدأ الواجب مبني على جوابِ سؤال: هل يصح أن تكون الماهية وجوداً؟‬


‫الخلاصة:‬

‫القول إن وجود الله هو ماهيته (أو جزء من ماهيته) غير دقيق.‬

‫والقول إن وجود الله منفك عن الماهية يلغي مبدأ واجب الوجود.‬



٣

‫حلُّ إشكالِ حملِ الوجود على الماهية يكون بأحد القولين:

١- عكس الحمل.

٢- الهَلِيّة البسيطة والهَليّة المركبة.


قلنا إن الحملَ هو حملُ المحمولِ على الموضوع، أو وصفُ الموصوف بالصفة، ففي مثال "السيارة حمراء" نكون قد حمَلنا "الحُمرة" على السيارة، فـ "الحُمرة" محمول، والسيارة موضوع. جاء مبدأ "عكس الحمل" كمحاولةٍ لحلّ إشكال القضايا / الجُمَل التي يكون فيها الوجود محمولاً، فبدل القول إن "الإنسان موجود"، والحيوان موجود، يقال: الموجود إنسان، والموجود حيوان، فنكون قد عكَسنا الحمل / عكسنا الوصف.

‫لكن هذا المبدأ في الواقع لا يحل إشكال وجود الإله، لأنّ حَمْلَ الماهية على الوجود مبنيٌّ على تحقُّقِ الموجود في الخارج أولاً. ‫فلأجل أن نقول: الموجود إنسان، يجب أن يتحقق وجود عينيٌّ مشارٌ إليه، فيصح حينئذ مبدأ "عكس الحمل". ‫فإذا عكسنا حمل "الوجود" على "ماهية" الله، فقلنا: الموجود الله، بدل القول: الله موجود، فهذا يعني أن وجود الله قد ثبتَ بالحس، وصحّت الإشارة إليه، كما صحّتِ الإشارةُ إلى الإنسان.‬ ‫وهذا القول ليس بدقيق، فأصلُ النزاع هو في قضية وجود الإله، بمعنى هل هناك إله؟ أو هل الموجود الله؟ أي أنّ النزاعَ أصلاً في عكس الحمل.

-

الحل الآخر لإشكال حمل الوجود على الماهية هو في التفريقِ بين الهَلِيّة البسيطة والهَلِيّة المركبة، ومعنى الهَلِيّة البسيطة: ثبوتُ الشيء، ومعنى الهَلِيّة المركبة: ثبوت شيء لشيء. بعبارة أوضح: عندما أقول: السيارة موجودة، فإنني لا أقصد وصف السيارة بالوجود، لكنني أقصد مجرّدَ ثبوتِها في الواقع المحسوس، فكأنني أقول: هناك سيارة، فالقصد هو "مطلق الثبوت"، وهو الهَلِيّة البسيطة. وعندما أقول "السيارة حمراء" فإنني أكون قد أثبَتُّ وصفَ الحُمرة للسيارة، أي أثبَتُّ شيئاً لشيء، وهو الهَلِيّة المُركّبة. ولهذا ف‏إن فالقضايا التي يكون فيها الوجودُ محمولاً مثل "الله موجود" هي من باب الهلية البسيطة لا المركبة، فالقول إن "الله موجود" يُراد منه مطلق الثبوت، ولا يعني ثبوث الوجود لله.


لكنّ القولَ إن الهلّيةَ البسيطةَ تعني مطلقَ الثبوت غيرُ متصوَّر كذلك، إذ لا يعني "الثبوتُ" شيئاً آخر غيرَ "الوجود". ‏وحينها تكون قضيةُ "الله موجود" مساويةً لقضيةِ "الله ثابت"، ولا معنى للقول هنا: إن حملَ "الثبوت" على "الله" يعني مطلق الثبوت، ولا يعني ثبوت الثبوت لله! ‏قياساً على القولِ في قضيةِ "الله موجود" حيث يقال: "يرادُ هنا مطلقُ الثبوت، وليس ثبوتَ الوجود لله". ‏فإذا استبدلنا "الوجود" مكان "الثبوت" بانَ أنّ الرد بالهلّية البسيطة لا يَحُلُّ إشكالَ وضعِ الوجودِ موضعَ المحمول، حيث إن "الثبوتَ" و "الوجودَ" يحملان نفس الدلالةِ في هذا السياق.


Sunday, June 7, 2020

في الحاجة إلى الدين

تتردد الكثيرُ من الحُجج في سياق تعليل وجود الدين في حياة الإنسان. وأول تلك التعليلاتِ هو القولُ إن الدينَ "ضرورةٌ بشرية" و "حاجة إنسانية"، فيستحيل أن يعيشَ الإنسان بلا دين. إلا أن هذا القول مبهم، وغيرُ دالٍّ على معنى نستطيع من خلاله استخلاصَ وظيفةِ الدين أو مدى "ضرورته". وذلك أن مفهومَ "الضرورة" يتضمن عدة معان، كالضرورة العقلية بمعنى استحالة الانفكاك، أو الضرورة بمعنى الاقترانِ العادي -لا العقلي- في الوجود، أو الضرورة بمعنى كونه عنصراً داخلاً في التكوين الإنساني، لأجل ذلك وجبتْ إعادةُ البحث في القول إن "الدين ضرورة" وحاجة إنسانية.

قد يُقصد بهذا الادعاءِ أن الدينَ لم يزل عنصراً حاضراً في حياة البشرية منذ نشأتها. فعند دراسة الحضارات القديمة ومجتمعات ما قبل التاريخ، ينتهي الباحثُ إلى التسليم بوجود حدٍّ أدنى وشكل من أشكال الدين عند هذه الحضارات. ومن المؤكد أن المظاهرَ الدينية مختلفةٌ باختلاف الحضارات أو التجمعات البشرية أو الأفراد، وأنّ مصداقَ الدين غيرُ مشترك بينهم، إلا أن البحثَ في تجليات الدين خارج إطار الكلام هنا. لكنّ المشتركَ بين الأديان -القديمة منها والحديثة- هو محاولةُ خلقِ علاقة بين الوجود البشري من جهة، والقوى الكامنة وراء الظواهر الطبيعية من جهة أخرى، حيث تتجلى هذه العلاقةُ عبر الطقوس والقرابين والتراتيل. فالتواصل بين الإنسان والقوى الميتافيزيقية هو ما مقصود القول بـ "الحد الأدنى" للدين. هذا الحد الأدنى كان حاضراً في جميع الحضارات الإنسانية، لكن هل هذا يعني التلازمَ الضروري بين مفهوم "الدين" والإنسان؟

القول عن ظاهرة ما إنها ضرورةٌ بشرية يجب أن يُبنى على قواعدَ عقليةٍ، وتتجلى من خلال "ضرورة" هذه القواعد العقليةِ الظاهرةُ التي نحن بصدد البحث فيها. إلا أن الاستدلالَ بالعكس حصل في البرهنة على "ضرورة" الدين، حيث يستدل المدافعون عن هذا الرأي بالواقع، ثم يبنون من خلال الواقع قواعدَ عقليةً تُجعلُ ضروريةً، ثم يعكسونها مرة أخرى على الواقع من باب "ضرورة" وجود هذه الظواهر بناء على هذه القواعد. ولهذا فإن تعليلَ وجود الدين في الحياة الاجتماعية لا يكون سوى محاولةِ "تبرير" عقلي لواقع مُعاش، لا استدلالٍ على الضرورة العقلية لوجود الظاهرة الدينية. فإذا أخذنا مثالَ وجود الدين في الواقع البشري منذ بداية ظهور الإنسان (ونسلم جدلاً بصحة هذا الادعاء أن الدين لازَم البشريةَ منذ ظهورها)، فإن أصحابَ الاستدلالِ العكسي يستنتجون التلازمَ العقلي بين الوجود الإنساني ووجود الدين. إلا أن اقترانَ وجودِ الدين مع الاجتماع البشري لا يعني اللزومَ الضروري أو الارتباطَ العقلي، لا يعني سوى الاقترانِ في الوجود، ولا يمكن استنتاجُ اللزوم الضروري بمجرد هذا الاقتران في الوجود. والقولُ إن الدينَ ضرورةٌ إنسانية بهذا المعنى يشير إلى أن جوهرَ النوع الإنساني لا يتقوّم إلا بوجود الدين، وليس هذا القول بصحيح، إذ العقلُ لا يفرض هذا.

أو قد يكون المقصودُ بضرورة الدين؛ الضرورةَ التفضيلية، أي أن التفاعلَ الاجتماعي بين البشر من حيث تنظيم العلاقات يقوم بغير دين، إلا أن البشر قد يخطئون في تنظيم العلاقات بينهم ولهذا وجبَ -وجوباً كمالياً لا عقلياً- وجودُ قانون مطلق وهو الدين. وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه فكرة النبوة، إذ الغايةُ منها تنظيمُ حياة الناس عبر إلزامهم بالشرائع التي جاءت وحياً من إله. إلا أن وضْع الشرائع للإنسان لا يُستنتج منه ضرورة وجود الدين، فالقوانين البشرية والشرائع التي يتواطؤ عليها الناس في المجتمع كفيلةٌ بتنظيم حياتهم والعلاقات بينهم. وذلك لا يعني أن الشرائع التي جاء بها الأنبياء شرائعُ فاسدة، بل غاية القول إن الإنسان قادرٌ على وضع تشريعاتٍ وقوانينَ تضبط أفعال الناس في المجتمع وتُحكم سلوكَ الفرد. فمن هذه الجهة كذلك لا يكون الدين "ضرورةً" إنسانية ولا "حاجة" مجتمعية.
ولا يصح أن يقال إن الغاية من النبوة أن يعرف الناسُ الإلهَ، فهذا هو الهدف الأسمى للوجود، ففي هذا مصادرة على المطلوب، إذ الاستدلالُ على وجود خالق يجب أن يُبنى على أساس العقل لا النص الديني، وثبوتُ النبوة فرعُ ثبوتِ وجود إله، فلا معنى إذن للقول إن النبي مرسَلٌ ليُرشد الناس للإيمان بإله فلفظ "نبي" بحد ذاته يتضمن ثبوتَ إله. 

 أو قد يقصد بضرورة الدين الضرورةُ الأخلاقية، أي أن الدين يقوم بدور المرشد الأخلاقي الذي يهذب سلوك الفرد ويضبط أفعاله، فيُنتج مجتمعاً قائماً على أساس الأخلاق. نعم قد يكون للدين دور في تعزيز الأخلاقيات في المجتمع إلا أن هذه الوظيفةَ ليست الجوهرَ الأساس للدين، أو الغايةَ التي نشأت (أو أنزلت) من أجلها الأديان، فليس هدفُ الدين في المقام الأول تعزيزَ الأخلاق في المجتمع. فالأخلاق كمفهوم كلي أعم من الدين. نعم يأتي الدين ويقرر بعض الأخلاق في ثقافة المجتمع وينبذ أخرى، إلا أنه لا يأتي بأخلاق خاصة فيه لا نجدها في ثقافة أخرى أو دين آخر. إن من يعتقد أن الدينَ مرادفٌ للأخلاق، أو حتى من يعتقد أن الأخلاق هي جوهر الدين، يخلط بين ما هو ذاتي وما هو عرَضي (ما هو أصل، وما هو فرع)، أي بين الأمور التي هي بمنزلة المقِّوم لماهية الدين من جهة، ومن جهة أخرى الأمور التي يكتمل بها الدين إلا أنها ليست من جوهره وليست هي ما يميزه. الأخلاق لا تميز ديناً عن غيره من الأديان، وإنما ما يميز ديناً ما هو نظام الاعتقاد ثم الشريعة الدينية. من يرى أن جوهر الدين هو الأخلاق يرى الدينَ مرشداً أخلاقياً منحصراً دورُه في الإصلاح الاجتماعي وقبله الفردي، فإنه إذا كان الدينُ مرادفاً للأخلاق فهذا يعني انتفاءَ الضرورةِ المزعومة فيه، حيث يمكن البحث عن توجيهاتٍ أخلاقية في أنظمة اجتماعية أخرى، لأنه حينها يتساوى مفهوم الدين مع أي فلسفةٍ أخلاقية أخرى كأخلاق الواجب أو النفعية.

أو قد يقصد بالقول إن الدين ضرورةٌ، أي الضرورة على المستوى الفردي. وهذا يظهر في التبريرات التي تُرجع مبدأ التدين إلى الفطرة، بالقول "إن الإنسانَ كائنٌ متدين بالفطرة". وهذا الادعاءُ أكثر غموضاً من القول إن الدين ضرورة إنسانية. فمعنى الفطرة -كالضرورة- مبهمٌ، ويحتمل تأويلاتٍ عدة ترجع في معظمها إلى "الإحساس" الفردي، أي القول إن الإنسان "يشعر" بوجود قوة عظيمة خلقت هذا الكون، ويحس بالحاجة إلى اللجوء إلى إله عبر الدعاء، حتى يسكنَ قلبُه وتطمئنَّ روحه… وهذا كلام خطابي لا يحمل قيمة برهانية ولا عبرة به في مقام الاستدلال العقلي. فلو كان الدين مقتصراً على الحاجة الفردية لصار التخلي عنه في الأمور المجتمعية مسوَّغاً، ولا يقول المتدين بهذا. ثم إن الاقتصارَ على ضرورة الدين في البُعد الذاتي ينافي الطبيعةَ الموضوعية المزعومة للدين، فلو كان الدين حاجة ذاتية وتجربةً فردية؛ لَما صار مُلزِماً للمجتمع ككل، ولاختلف التجلي الديني في الفرد، ولَتعدد بتعدد الأفراد في المجتمع الواحد. ثم إن الدين ينطوي على مبدأ "المطلقية" في القضايا، فالحقيقة في قضية وجود إله -على سبيل المثال واحدةٌ غير متعددة، ومن يخطئ فيها فمصيره العقاب. فلا يصح أن يكون الدين "ضرورة إنسانية" بهذا المعنى.